في العاشرة ليلا حينما يتنكر لي النوم أخرج إلى عتبة منزلنا الحجري وأجلس رغم أنهم يرددون خرافات ك” الجلوس في البرزخ مذموم يجلب التشاؤم والطاقات السليبة”، مسحت على المِصْطَبَّة وجلست، واتكأت على الحائط، ثم شردت…
فأتاني صوت (صوت فتاة) بعيد خافت ورقيق، فنطق: لم لا تستمعي لقصة تُذيب النعاس ؟
فأغمضت عينَيَّ الغائرتين حتى التصق رمشاهما، لاستئناف شرودي…
فبدأت تحكي ” كنت أعيش على أرض لم يبق فيها شيء حتى الليل… نعم إنها لا تملك ليلا بل نهارا فقط، لأن جدتي تقول “الليل سكينة” ونحن لا نسمع إلا الصراخ، الضوضاء، القنابل، وطلقات النار…ولكن لا شيء يغيظني مثل ذلك اليوم، أتذكره وكأنه البارحة.
لعله منتصف تموز الشمس قد أطلقت العنان لأشعتها القوية والأخيرة، أنا عادة لا أكترث لهذا الجو أو بالأحرى لا أشعر به، إلا بعد العصر عندما يتأخر أبي في العودة إلى المنزل بدقيقتين أو ثلاث، فيرتفع صوت عقلي في صخب لا يهدأ، يتساءل هل سيغتال برصاصة أم بقنبلة أم … فلا يريحني جلوسي بالغرفة. فحملت عباءتي البالية كي لا أتعثر كانت ذات لون أسود مائل إلى البياض لها “زواقات” على الصدر وعنقها ضيق مسدولة بنفس العرض من الكتفين حتى القدمين، فأخرج لأسترق النظر …هل وصل أم لا؟
تبعتني أمي من الخلف تنادي عودي “يا ابنتي” أدركت أنها ستكرر لي الجملة المعهودة نعم تلك التي تقولها “القابلة” لأم سرقوا ابنها وهي في غيبوبة النفاس “إن القدر والأجل(الموت) مكتوب لا هروب منه” فحركت رأسي أظهر تقبلا كاذبا ومزيفا.
وأضافت: أدخلي فشمس تموز تغلي الماء.
نطقت بصوت خافت: الجو جميل لا أشعر بالحر، هل جربت لمس دم الشهداء والضحايا ربما يغلي أكثر من الماء؟
ردت بسخط: نعم يحرق لأنه تعرض لخيانة.
فقاطعتها قائلة: لا تخوضي في هذه التفاصيل يا أمي!
ونحن على هذا الحال طل أبي فاتسعت شفتاي للحظة ثم عادتا إلى حالتهما الأولى، بعد أن رأيت شخصا يسير بجانبه في اتجاه منزلنا.
فصرخت: هل أتيت بمن يقتلنا في بيتنا ؟
فقال أبي مضطرا وكأن العي وثقل اللسان أصابه: جئت بمن يشتري أرضنا ويبيع لنا الحياة.
نظرت أمي وفي عينيها المنهارتين كلمات منقوشة تقول صامتة: لا تبوحي بأية كلمة فقد دافع بشراهة لكنه انهزم وأصيب بخيبات أمل عديدة فصرخت دون صوت…
فنظر إليه أبي فقال له أليس كذلك، أوردا!
أوردا هذا كان شيئا ذا بشرة بيضاء تقترب إلى الاصفرار وحوض عينيه مقوس وعلى خديه نقط حمراء أو سوداء لم أتمعن جيدا… في رأسه شعيرات شقراء متفرقة والعروق الخضراء تخترق جلد يديه، فقد كان يرتدي قميصا قصير الأكمام، عموما وجهه ليس فيه وقار كالشافعي وكلماته ليست عروضية البتة.
أجاب الرجل الغريب النحيف ذو القامة الطويلة: لدي حل أفضل، فنظر إلي
وقال أتتزوجين؟ من أجل العيش!
فأجبت بسذاجة: لا سأتزوج فقط من أجل الحب…
أما الآن فلا أتذكر اختياري جيدا! وماذا حصل هل عشت أم مت؟ أقصد أحببت، والتي تروي القصة مجرد شبح ثائر..
ولكن بما أن هارون لم يتخل عن موسى إذا لم أتخل أيضا عن الحب أم عن الحياة، أووه…
استحضرت شيئا آخر كان يدور ببالي، بأن وريقات الشجر تتخلى عن أغصانها في فصل الخريف.
فبدأ الصوت الخافت ينخفض، يهمس حتى اختفى تماما، وهو يردد الفداء أم الحياة؟ ولكن أي حياة؟ بلا وطن! كيف ذلك؟
قبل أن أقول لها : إنني لم أفهم قصتها مثلي مثل الآخرين، وأنني عندما أغمضت عيني غفوت قليلا وكنت أستيقظ فقط عندما أسمع ذلك الاسم الغريب التي تنطقه بحرقة…أوردا.


تعليقات
0