جريدة البديل السياسي |البديل الوطني

زلات الوزراء والبرلمانيين المغاربة عبر التاريخ

unesss

جريدة البديل السياسي 

هل كان من الضروري أن يقول الوزير السابق وعمدة فاس، إدريس الأزمي كلمة «بيليكي» أمام نواب الأمة؟ الكلمة لا تناسب الفضاء، الذي قيلت داخله ولا تنتمي إليه، ولا ينبغي لمسؤول أن يتلفظ بها لأنها تنتمي أساسا إلى حقل دلالي لا علاقة له بنقاش الأفكار ولا تدبير الشأن العام ولا حتى إحداث توصيف لحالة ما..
ليست هذه المرة الأولى التي يتحول فيها النقاش العمومي إلى «سيرك» من الانفعالات المختلطة لأصحابها بصورة تجعلها تبدو بعيدة تماما عن صلب اهتمامات الناس وانتظاراتهم.
وحدث مرة أن بلغ إلى علم وزارة الداخلية، أيام كان على رأسها الوزير بنهيمة، أي أواسط السبعينات، أن أحد الذين نجحوا في الانتخابات خلال الستينات، قد عُرف بتوزيع وعود على الفلاحين الفقراء بمنحهم أراضي فلاحية على حساب الدولة وبشكل مجاني، وهو ما جعل وزارة الداخلية وقتها تعطي الأمر فورا بتوبيخه، لأن الطريقة التي علمت بها وزارة الداخلية بالأمر لم تكن عبر الوشاية وإنما عبر مراسلات من إحدى العمالات تفيد بأن بعض سكان القرى يعتزمون القيام بوقفات احتجاجية وقد ينزلون من الجبال، حيث يسكنون إلى مقر العمالة ويطلبوا لقاء العامل ليشتكوا إليه مرشح منطقتهم الذي تأخر في تنفيذ وعده كثيرا، بتوزيع أراض عليهم، خصوصا وأنه قد أخبرهم في وقت سابق أن «الأوامر» قد أعطيت من «فوق» لتوزع أراض فلاحية على كل من يصوت عليه في الانتخابات.
لم يكن هذا المرشح بطبيعة الحال مدركا لعمق الكذبة التي أطلقها ولا دلالة الوعد الانتخابي الذي قدمه، لأنه بحسب الرواية المتوفرة لم يكن يتوفر على أي مستوى تعليمي وكان يترشح للانتخابات إيعازا من بعض الأعيان المحسوبين على أحزاب كبرى، كانوا يحتاجون إلى من يتولى تمويل حملتهم الانتخابية في المداشر البعيدة والقرى التي يعرف الجميع وقتها أنها لم تكن تتوفر حتى على طرق ومسالك توصل إليها، فما بالك بمسيرات الحملات الانتخابية التي كانت تستعمل فيها السيارات والملصقات الدعائية.
هذا البرلماني، بعد أن نجح في الوصول فعلا إلى قبة البرلمان ممثلا للأغلبية البرلمانية، دافع عن نفسه بكل ما أوتي من قوة رغم أنه لم يكن يتوفر على مستوى تعليمي يخول له خوض النقاش، واعتبر أن الانزلاقة التي وقع فيها، والتي تطعن في مشروعيته سياسيا، حق مشروع، على اعتبار أن البرلمان في تلك الفترة كان يناقش خطوة توزيع الأراضي التي كانت ترعاها وزارة الفلاحة وأيضا التجهيز وحتى الداخلية.
عندما وُصف البرلمان بـ»السيرك» وأغلقه الملك الراحل الحسن الثاني تطبيقا لبند دستوري يخول له حل الحكومة والبرلمان سنة 1965، فلأن الحياة السياسية، حسب شهادات كثيرة واكبت تلك الفترة، بلغت حدا لم يعد معه البرلمان يقوم بالمهام التي وُجد من أجلها.
وحتى بعد عودة الحياة إلى كراسي النواب مع بداية السبعينيات، استمر الوضع على حاله، وفي كل فترة، تتجدد انزلاقات الوزراء والبرلمانيين، كما لو أنها تقفز من كرسي لآخر.

إدريس الأزمي.. وجه «البيجيدي» الذي يظهر ويختفي
رغم أنه حاصل على شهادة جامعية عليا في الكيمياء، إلا أن بعض «الخلطات» أبانت فشله في الإمساك بسوط الملاسنات السياسية التي تتطلب أساسا أن تكون أعصاب صاحبها من حديد. فشل إدريس الأزمي في تدبير سؤال تحت القبة هذه الأيام، وانفعل بصورة لم يسبق ربما للمغاربة أن رأوه فيها، حتى عندما كان وزيرا مكلفا بالميزانية. وها هو اليوم عمدة لمدينة فاس التي تتكاثر فيها المشاكل التدبيرية أكثر من حفر شوارعها العتيقة يتهاوى أمام ارتداد انفعاله غير المبرر.
اعتاد حزب العدالة والتنمية أيام المعارضة أن يطرح أسئلة حارقة على وزراء الحكومات السابقة، خصوصا خلال تجربة التناوب ثم مع حكومتي جطو وعباس الفاسي، ما بين سنوات 2002 و2010، خصوصا الأسئلة التي تتعلق بتعويضات الوزراء والبرلمانيين وتقاعدهم وامتيازاتهم التكميلية وحتى التقاعد. واشتهر وقتها كل من الرميد وعبد الإله بنكيران وحتى سعد الدين العثماني، وهم يطوقون وزير المالية السابق فتح الله ولعلو، ويطلبون منه في جلسات تابعها ملايين المغاربة، مدهم بتفاصيل طرق وشروط صرف المعاشات والمعاشات التكميلية للنواب والوزراء، ونصحوا الحكومة بعدم تبديد الأموال العمومية على امتيازات مدبري الشأن العام المنتخبين والمُعينين.
وها هو عضو الأمانة العامة، وأحد أقرب وجوه القيادات إلى مربع قيادة المجلس الوطني للحزب، ينفعلُ بصورة جرت عليه الكثير من الانتقادات والسخرية اللاذعة أيضا، أمام مداخلة واضحة بشأن تلك الامتيازات نفسها التي بنى الحزب حملته الانتخابية على مراقبة طرق صرفها، حيث احتج وسأل بدوره المنتقدين ما إن كانوا يرغبون في أن يعمل نواب الأمة ووزراؤها «بيليكي»؟ وهي كلمة دارجة تُحيل على المجانية.
الأزمي، حتى أثناء التجربة الحكومية التي قادها عبد الإله بنكيران، كان متحفظا في التعامل مع الصحافة، لكنه كان يُظهر طاقة خطابية في اللقاءات الداخلية للحزب والتي كان يؤطر بعضها من موقعه في المجلس الوطني. واستحق أن يكون ذلك الوجه الذي لا يظهر إلا ليختفي من جديد.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي