جريدة البديل السياسي
مع انطلاق كل تجربة حكومية جديدة ينتظر المواطنون حصول انفراجات هنا وهناك، وقد التقط الجميع إشارة طي الجنايات الاستئنافية بفاس لملف القيادي في حزب العدالة والتنمية عبد العالي حامي الدين والتصريح بسقوط الدعوى العمومية في حقه، لكن الصدمة جاءت من الدار البيضاء عندما أمرت المحكمة باعتقال بروفيسور جراح من قاعة المحكمة بسبب اتهامه بالتشهير.
وهكذا فلصوص المال العام، ومعهم المتهمون بجرائم الاغتصاب، يتابعون في حالة سراح طيلة مراحل التقاضي، ومنهم من يحصل على البراءة أو يتم نقض حكمه فيعود للترشح للانتخابات ويحصل على مقعده في البرلمان، كما صنع حوالي 14 مدانا، بينما يتم اعتقال بروفيسور جراح من الجلسة فور النطق بالحكم الابتدائي. وبالنظر للخصاص الذي تعرفه المنظومة الصحية فإن إرسال بروفيسور جراح إلى السجن لمدة سنة لمجرد أنه طالب وزارة الصحة بإرسال لجنة تقصي للبحث في اتهاماته يعد فضيحة ما بعدها فضيحة، فماذا قال هذا البروفيسور حتى نلقي به في السجن ونحرم المواطنين والطلبة من خدماته؟ هل سرق ميزانية؟ هل باع أعضاء المرضى؟ هل استغل طبيبات تحت سلطته؟ لم يفعل أي شيء من هذا، جريمته الوحيدة هي أنه بلغ عن ما اعتبره فسادا.
وفي هذه البلاد يمكنك أن تُفرغ ميزانية مستشفى بكامله وتخرج من الباب الكبير مرفوع الرأس، وقد ينظم لك حفل تكريمي فوق ذلك، لكن إياك أن تنقذ رِجل عامل فقير من البتر، فهذه جريمة لا تسقط بالتقادم.
هذا بالضبط ما وقع للدكتور رشيد شرقاب، طبيب الإنعاش والتخدير والأستاذ بكلية الطب، الذي خرج من قاعة المحكمة نحو السجن مباشرة، بحكم سنة نافذة وغرامة قدرها 125 مليون سنتيم بتهمة التشهير وانتحال صفة. وأي صفة انتحلها الرجل يا ترى؟ صفة طبيب يقوم بعمله؟
القصة بدأت قبل سنتين، حين وصل عامل بسيط من بني ملال برِجل تتعفن بعد عملية جراحية. تنقّل المسكين بين مصالح الصحة في مدينته والمستشفى الجامعي بالدار البيضاء، وفي كل مرة يقولون له «سير وجي». لكن التعفن لا يعرف «سير وجي»، بل يصعد في الساق بسرعة تفوق سرعة المساطر الإدارية بكثير. فتدخّل الدكتور شرقاب، اتصل بمعارفه، أدخل المريض، وتوسّط له لدى الجراحين، فأنقذوا الساق في آخر لحظة قبل أن يصلها المنشار.
صفّق الناس وسمّوه «طبيب الفقراء». وهنا بالضبط ارتكب الرجل خطأه القاتل. ففي إداراتنا، أن يحبك الناس أخطر بكثير من أن يكرهك الرئيس، لأن حب الناس لطبيب واحد هو اتهام صريح لكل من حوله. ورئيس القسم وإدارة المستشفى لم يستسيغوا أن يتحول طبيب إلى مرآة تُريهم وجوههم.
ولم يكتفِ الدكتور بهذا، بل ارتكب حماقة ثانية: صدّق أن في وزارة الصحة من يقرأ الرسائل. فراسلها، ثم ذهب إليها على رجليه يطلب تدخلاً لوقف سوء التسيير والتجاوزات. وانتظر. ولا يزال ينتظر، لكن من وراء القضبان هذه المرة. فالوزارة التي لم تجد دقيقة للرد على الطبيب، وجدت الإدارة بجانبها كل الوقت لرفع الشكايات ضده وضد زملاء له، كلهم نقابيون، بالصدفة طبعاً.
والرسالة وصلت لمن يهمه الأمر: من يدافع عن المستشفى العمومي فليُحضّر حقيبته للذهاب إلى السجن.
شخصيا لم أكن أعرف الدكتور شرقاب قبل هذه القضية. والمفارقة أن الذين أرادوا إسكاته جعلوا المغاربة جميعاً يعرفونه اليوم. والبروفيسور رشيد شرقاب ليس طبيبا عاديا، إنه أستاذ جامعي متخصص في التخدير والإنعاش، ورئيس سابق لمصلحة الإنعاش والتخدير بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء، أي من أولئك الأطباء الذين يشتغلون في المسافة الفاصلة بين الحياة والموت، واليوم، يجد نفسه خلف القضبان، إلى جانب رفيقيه عبد اللطيف صدار ومحمد آيت الطالب، في قضية أثارت تعاطفا، واسعا، وأسئلة أكبر من مجرد حكم قضائي، خصوصا أن الاعتقال كان من داخل المحكمة عقب النطق بالحكم، وهنا تبدأ الحكاية التي تستحق أن يجيب عنها القانون، لا أن تطويها ضجة الخبر.
فالملف، وفق المعطيات المتداولة، يتعلق بتصريحات وانتقادات بشأن تدبير مستشفى ابن رشد، وظل رائجا، منذ 17 نونبر 2025، فيما تابع المعنيون أطواره في حالة سراح. فإذا كانت النيابة العامة قد ارتأت منذ البداية أن ضمانات الحضور متوفرة، فما الذي استجد حتى انتهى الأمر باعتقال فوري عقب حكم ابتدائي؟ وهل صدر ملتمس صريح من النيابة العامة ومقرر خاص ومعلل بالإيداع أو بإلقاء القبض، وفق شروط المادة 392 من قانون المسطرة الجنائية؟
لا نقول إن الاعتقال غير قانوني قبل الاطلاع على وثائقه، لكننا نسأل عن أساسه، وعن مبررات اللجوء إليه في هذه القضية بالذات. فالحرية لا ينبغي أن تصبح تفصيلا، في منطوق حكم، والتعليل ليس إجراء، شكليا، حين يتعلق الأمر بحرمان إنسان من حريته.
والأشد إثارة للاستفهام ما يورده البلاغ النقابي من أن المحكمة رفضت تأجيل الجلسة لتمكين الدفاع من إعداد مرافعته والاطلاع على الملف، رغم أن القضية، بحسب البلاغ نفسه، ظلت مؤجلة لأشهر، فهل تكفي إتاحة نسخة من الوثائق في يوم الجلسة لمحامي المتهمين لضمان دفاع فعلي؟ وهل تتناسب سرعة الحسم مع تعقيد الملف وحجم المطالب المدنية التي تجاوزت، وفق منطوق الحكم المتداول، 145 مليون سنتيم؟
ثم هناك السؤال الذي لا يجوز أن يختفي وراء القضبان: ماذا عن الاختلالات التي قيل إن شرقاب أثارها؟ هل أُوفدت لجنة تفتيش مستقلة للتحقيق فيها؟ وهل فُحصت الشكايات وسُمِع إلى الشهود والمبلّغين؟ لا يكفي أن تنتهي محاكمة صاحب التصريحات حتى نعتبر أن المؤسسة المعنية أصبحت، بحكم الضرورة، بريئة من كل ما نُسب إليها. كما لا يكفي أن يتحدث شخص عن الفساد حتى تصبح ادعاءاته حقائق ثابتة.
إن حماية المبلّغين والشهود ليست حصانة من القانون، بل ضمانة كي لا يخشى الموظف أو الطبيب كشف ما يعتقد أنه اختلال. فإذا كانت الادعاءات باطلة، فلتفنّدها التحقيقات والوثائق، وإذا ثبتت، فالمحاسبة واجبة، أيا كان المسؤول. أما ترك أسئلة المرفق العام بلا جواب، ثم الاكتفاء بملاحقة من أثارها، فهو ما يزرع الشك ويضعف الثقة.
ولا يقل ملف عبد اللطيف صدار أهمية، إذ يقول الاتحاد النقابي إنه يتوف


تعليقات
0