أدى أعضاء الحكومة المغربية الجديدة القسم بين يدي الملك محمد السادس في القصر الملكي بالرباط. صورة لم تكن الصورة بروتوكولية فقط، بل بيانًا سياسيًا واضحًا: حكومة تقودها لأول مرة امرأة، فاطمة الزهراء المنصوري.
لكن ما يمنح هذه التشكيلة ثقلها ليس السابقة النسائية وحدها، بل تركيبتها الدقيقة. وجوه قديمة تحرس مفاصل الدولة، ووجوه جديدة تحمل وعود التجديد، ونساء ينتقلن من موقع المشاركة إلى موقع صناعة القرار.
من الإيجابي أن نبدأ من هذه السابقة. وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة ليس تفصيلًا عابرًا، بل تجسيد لمبدأ تكافؤ الفرص. كما أن حضور ست نساء أخريات في تشكيلة واحدة مؤشر على أن المرأة لم تعد في الواجهة فقط.
لكن الرمز وحده لا يكفي. الاختبار الحقيقي هو تحويل المناصفة من صورة إلى سياسات. هل ستمنح الوزيرات صلاحيات وميزانيات؟ أم سيظللن في ملفات ثانوية؟ إذا بقي الحضور النسائي تجميليًا، فالمكسب سيبقى ناقصًا.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن الحكومة استندت إلى خبرة وجوه ثقيلة. عبد الوافي لفتيت في الداخلية، ناصر بوريطة في الخارجية، عبد اللطيف وهبي في العدل، أحمد التوفيق في الأوقاف، فوزي لقجع في المالية، نزار بركة في التجهيز والماء، ونبيل بنعبد الله في التعليم.
هذه الأسماء تمثل ذاكرة الدولة وتراكم خبرة في ملفات لا تحتمل التجريب. وجودها يبعث رسالة استقرار للداخل والخارج، في زمن تحولات إقليمية واقتصادية سريعة.
لكن الخطر أن يتحول القديم إلى غطاء للجمود. الخبرة ليست عذرًا لعدم الإصلاح. الوجوه القديمة مطالبة بأن تثبت أنها رافعة للتغيير، لا حارسة لوضع قائم.
إلى جانبهم، دخلت وجوه جديدة: أحمد رحو في الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، جلال شرف في السياحة، سمير بلفقيه في الإسكان، عبد الرحيم شهيد في التشغيل، ويونس بجيجو في الصحة.
هذه الأسماء تعبر عن أولويات جديدة: الرقمنة، التشغيل، الحماية الاجتماعية، والإدماج الاقتصادي. وهي ملفات الشباب والطبقة الوسطى والفئات الهشة.
لكن التجديد بالأسماء لا يكفي. بعض الوجوه الجديدة تفتقر إلى الخبرة الحكومية، وقد تصطدم ببيروقراطية ثقيلة. ووزارة مثل الذكاء الاصطناعي قد تبقى بلا صلاحيات إن لم تحصل على ميزانية وكفاءات.
الأمر نفسه ينطبق على التشغيل والصحة والإسكان. فهي ملفات تحتاج تمويلًا ضخمًا وتنسيقًا بين قطاعات عدة. وإلا ستبقى الوعود جميلة في البيانات، بعيدة عن حياة الناس.
وهنا يظهر السؤال الأكبر: هل هذه الحكومة فريق متجانس، أم تحالف هش؟ القديم قد يعرقل الجديد، والجديد قد يتعجل، والنساء قد يجدن أنفسهن في الصورة دون أدوات الفعل.
النجاح لن يأتي من الأسماء وحدها، بل من رؤية مشتركة وقيادة قادرة على فرض الإيقاع. الملك عيّن الحكومة، لكن الشارع هو من سيقيمها. والشارع لا يقرأ البيانات، بل يرى الخدمات والأسعار وفرص العمل وجودة التعليم والصحة.
حكومة المنصوري ليست مجرد تشكيلة جديدة. إنها اختبار للمغرب: هل يمكن الجمع بين خبرة القديم وجرأة الجديد وقيادة النساء؟ إذا نجحت، فلن تكون سابقة نسائية فقط، بل تحولًا في فلسفة الحكم.
وإذا تعثرت، فسيدفع الجميع الثمن. الصورة في الرباط تقول إن الباب فُتح، والنساء دخلن، والقديم ما زال يحرس، والجديد يريد أن يكتب. لكن الكتابة الحقيقية ستكون في الشارع والمؤسسات والخدمات، لا في قاعة القصر.


تعليقات
0