جريدة البديل السياسي – بقلم حميد شهبوني
حين يغني الناظور… تبتسم الريح
ليس الفن في الناظور ترفًا يُمارس على هامش الحياة، بل هو ذاكرة مدينة كاملة. هنا، حيث يلتقي زرقة البحر الأبيض المتوسط بصلابة جبال الريف، تولد الأغنية كما تولد الأمواج؛ حرة، صادقة، ومشبعة برائحة الأرض والملح.
في الناظور لا يُقاس الفنان بعدد الحفلات التي أحياها، بل بقدرته على حفظ وجدان الناس. فكم من قصيدة أمازيغية عبرت الحدود قبل أن تعبر الإذاعات، وكم من لحن ريفي حمله المهاجرون إلى أوروبا ليبقى خيطًا سريًا يربطهم بأمهاتهم وبيوتهم الأولى. لقد كان الفن دائمًا جواز سفر الروح حين تعجز الأوراق عن التعبير.
ولم يكن الإبداع في هذه المدينة حكرًا على الغناء وحده؛ فالمسرح أنجب وجوهًا أضاءت الخشبة، والشعر كتب بلغة القلب، والرسم حوّل ملامح الريف إلى لوحات تنبض بالحياة. إن الناظور لا يفتقر إلى المواهب، بل يحتاج إلى فضاءات تحتضنها ومؤسسات تؤمن بأن الثقافة ليست زينة للمدن، وإنما أحد أعمدة بنائها.

Screenshot
مؤلم أن نرى كثيرًا من الفنانين يعيشون بين التصفيق والنسيان؛ يُستدعون في المناسبات ثم يُتركون لمواجهة العزلة وضعف الإنتاج وقلة الدعم. فالأمم الراقية لا تحفظ أسماء سياسييها فقط، بل تحفظ أيضًا أصوات مطربيها، وريشات رساميها، وأقلام شعرائها، لأنهم الحراس الحقيقيون للهوية.
إن الناظور يستحق مشروعًا ثقافيًا كبيرًا: مسرحًا نابضًا، ومعهدًا للموسيقى الريفية، ومهرجانًا دوليًا يحتفي بفنون الريف، وأرشيفًا يوثق تراث الأغنية الأمازيغية قبل أن تسرقه ذاكرة النسيان.
حين يزدهر الفن في الناظور، لا يربح الفنانون وحدهم؛ بل تربح المدينة صورتها، ويستعيد الريف صوته، ويكتشف العالم أن الحضارة تبدأ أحيانًا من أغنية.


تعليقات
0