جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

حين تتجه الأحزاب إلى الجبال مع اقتراب الانتخابات.. هل تغيّر الاهتمام أم تغيّر الحساب؟

542691282_2211570452643147_1216823892207624682_n

جريدة البديل السياسي -الكاتبة / حليمة صومعي

ما الذي يجعل بعض الأحزاب السياسية تكثف زياراتها إلى المناطق الجبلية مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية؟ ولماذا تتحول مناطق ظلت لسنوات تعاني من العزلة وخصاص البنيات والخدمات إلى وجهة مفضلة للقاءات الحزبية في هذا التوقيت بالذات؟

السؤال لا يستهدف حزباً بعينه، ولا يضع نوايا مسبقة لأي جهة، لكنه يفرض نفسه على كل متابع للمشهد السياسي، خصوصاً حين نلاحظ تكرار السيناريو نفسه: مناطق مهمشة، ساكنة تحمل مطالب متراكمة، خطابات تتحدث عن التنمية وفك العزلة، ووعود تتجدد مع كل موسم انتخابي.

المشكلة ليست في أن تزور الأحزاب المناطق الجبلية، بل في أن يصبح حضورها مرتبطاً بالانتخابات أكثر مما هو مرتبط بالعمل السياسي المستمر. فالجبال لم تكن مهمشة بالأمس فقط، ومعاناة سكانها ليست وليدة الحملة الانتخابية، فلماذا يتكثف الحضور السياسي عندما تبدأ عقارب الانتخابات في الدوران؟

المواطن الجبلي لم يعد في حاجة إلى من يخبره بأنه مهم. هو يعرف جيداً حجم معاناته، ويعرف الطريق التي يسلكها، والمدرسة التي يدرس فيها أبناؤه، والمركز الصحي الذي يقصده، ويعرف أكثر من أي خطاب حزبي معنى العزلة والتهميش.

ما ينتظره اليوم ليس خطاباً جديداً، وإنما أجوبة واضحة عن أسئلة قديمة: ماذا تحقق من الوعود السابقة؟ لماذا تأخرت بعض المشاريع؟ من تابع تنفيذها؟ وما الذي سيجعل الوعود الجديدة مختلفة عن سابقاتها؟

فالسياسة لا تُقاس بعدد الزيارات ولا بعدد الصور الملتقطة وسط المواطنين، وإنما بما تتركه من أثر حقيقي في حياتهم.

والأخطر أن تتحول معاناة المناطق الجبلية إلى مجرد مادة انتخابية جاهزة للاستثمار في الخطابات. فالمواطن ليس مشهداً انتخابياً، والجبل ليس خلفية لصور الحملات، والمعاناة ليست ورقة تُستخرج عند الحاجة إلى الأصوات.

لقد ملّ المواطن من لغة “سنفعل” و”سننجز” و”سنعمل”، بينما ينتظر أن يرى شيئاً من لغة “أنجزنا” و”حققنا” و”نفذنا”.

ومن هنا، فإن الزيارة الانتخابية وحدها لا تكفي. بل إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يرافق كل لقاء حزبي في هذه المناطق هو: لماذا اليوم؟ وأين كنتم بالأمس؟ وماذا سيحدث بعد الانتخابات؟

ذلك أن المواطن لم يعد مطالباً بالاستماع فقط، بل أصبح من حقه أن يسائل ويقارن ويحاسب.

ومن أراد أصوات سكان الجبال، فعليه أولاً أن يحترم ذاكرتهم. وذاكرة المواطن لا تحفظ الوعود فقط، بل تحفظ أيضاً من حضر حين كانت الانتخابات تقترب، ومن غاب حين انتهت.

الجبال لا تحتاج إلى موسم سياسي عابر، بل إلى حضور مستمر، وسياسات عمومية عادلة، ومشاريع قابلة للقياس، ومساءلة حقيقية.

أما أن تُضاء الأنوار على هذه المناطق مع اقتراب الانتخابات ثم تخفت بعد إغلاق الصناديق، فذلك بالضبط ما ينبغي أن يفتح نقاشاً جدياً حول معنى التمثيل السياسي، وحول ما إذا كانت الانتخابات موعداً لخدمة المواطن أم مجرد موعد لاستعادة خريطة الأصوات.

فالجبال ليست محطة انتخابية.. وسكانها ليسوا مجرد أصوات مؤجلة إلى موعد الاقتراع.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي