جريدة البديل السياسي
تظل المسيرة الخضراء واحدة من أعظم المحطات المفصلية في تاريخ المغرب الحديث، ليس فقط باعتبارها ملحمة شعبية جسدت عبقرية التعبئة الوطنية والتلاحم الراسخ بين العرش والشعب، وإنما أيضا لكونها شكلت منطلقا لمسار طويل من الدفاع عن الوحدة الترابية، انتقل فيه المغرب من منطق استكمال وحدته الوطنية إلى مرحلة ترسيخ مشروعية موقفه وتعزيز حضوره داخل المنتظم الدولي.
وبعد عقود من الترافع السياسي والدبلوماسي المتواصل، نجحت المملكة في تحقيق اختراقات استراتيجية مهمة، تُرجمت في تنامي الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أساسا جديا وواقعيا لتسوية النزاع، وتوالي مواقف دول وازنة مؤيدة للمقاربة المغربية، فضلا عن تكريس الحضور الاقتصادي والدبلوماسي للمملكة في أقاليمها الجنوبية، ومسيرة لم تتوقف بانتهاء عبور المتطوعين للصحراء، بل امتدت عبر أجيال من العمل الوطني والدبلوماسي، لتؤكد أن قوة المغرب لا تكمن فقط في عدالة قضيته، وإنما أيضا في قدرته على تحويل ثوابته الوطنية إلى مكاسب سياسية واستراتيجية متراكمة.
تحولات كبرى
أكد المحلل السياسي الحسين أولودي أن الذكرى الحادية والخمسين للمسيرة الخضراء تشكل مناسبة لاستحضار التحولات التي عرفتها قضية الوحدة الترابية للمملكة، وما راكمته الدبلوماسية المغربية من مكتسبات على المستويين السياسي والدولي، مبرزا أن هذه الذكرى لا تقتصر على استعادة حدث تاريخي مفصلي، بل تتيح أيضا الوقوف عند مسار متواصل من العمل الدبلوماسي والتنموي الذي يعزز مكانة الأقاليم الجنوبية داخل النسيج الوطني.
وأوضح أولودي، في تصريح لموقع “برلمان.كوم”، أن المسيرة الخضراء تظل محطة بارزة في تاريخ المغرب الحديث، باعتبارها تجسيدا للتلاحم بين العرش والشعب، ونموذجا للتعبئة الوطنية في سبيل استكمال الوحدة الترابية. واعتبر أن الدعوة التي أطلقها الملك الراحل الحسن الثاني لتنظيم هذه الملحمة عكست قدرة المملكة على تدبير إحدى أبرز قضاياها الوطنية برؤية استراتيجية، استندت إلى التعبئة الشعبية ووحدة الصف الوطني.
وفي قراءته للمستجدات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، سجل المحلل السياسي أن المملكة راكمت خلال السنوات الأخيرة مكتسبات مهمة، في ظل تحولات متزايدة في مواقف عدد من القوى الدولية الوازنة، إلى جانب تطور المقاربة الأممية الرامية إلى إيجاد حل سياسي للنزاع، واستحضر في هذا السياق القرار الأممي رقم 2797، معتبرا أنه يعكس جانبا من التحول الذي تعرفه التعاطيات الدولية مع هذا الملف، في اتجاه تكريس الحل السياسي على أساس الواقعية والجدية.
وتوقف أولودي كذلك عند التطورات المرتبطة بمستقبل بعثة «المينورسو»، وما أثير بشأن عدم تجديد ولايتها خلال أكتوبر من السنة الجارية، معتبرا أن هذه المستجدات تندرج ضمن التحولات التي يشهدها تدبير الملف على مستوى الأمم المتحدة، وربط المتحدث هذه التطورات بالمواقف التي عبرت عنها المملكة، كما وردت في بلاغ الديوان الملكي، وبالمسار الدبلوماسي الذي تقوده المؤسسة الملكية لتعزيز موقع المغرب في هذا النزاع الإقليمي.
رؤية ملكية متعددة الأبعاد
أولودي اعتبر أن السياسة الخارجية المغربية تقوم على رؤية ملكية متعددة الأبعاد، ترتكز على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز الدبلوماسية الثنائية، وتوسيع مجالات الترافع السياسي والبرلماني والإعلامي، بما يضمن إيصال الموقف المغربي إلى مختلف مراكز القرار والتأثير، كما أبرز أهمية الحضور المغربي داخل العمق الإفريقي، مشيرا إلى أن المبادرات الملكية القائمة على التعاون جنوب-جنوب والتضامن الإفريقي أسهمت في تعزيز موقع المملكة كشريك استراتيجي في قضايا التنمية والاستقرار والسلم بالقارة.
وعلى المستوى التنموي، شدد أولودي على أن المكتسبات الدبلوماسية تتزامن مع دينامية اقتصادية وعمرانية متواصلة تعرفها الأقاليم الجنوبية، من خلال إطلاق مشاريع كبرى في مجالات البنيات التحتية والطرق والموانئ والطاقات المتجددة، فضلا عن تشجيع الاستثمار وتحسين المؤشرات الاجتماعية والاقتصادية، معتبرا أن مدن العيون والداخلة والسمارة وبوجدور وغيرها من حواضر الصحراء المغربية أصبحت تشكل فضاءات واعدة للاستثمار والتنمية، في إطار توجه يروم تعزيز جاذبية المنطقة وتحويلها إلى قطب اقتصادي ذي امتداد إقليمي ودولي.
وفي السياق ذاته، استحضر المحلل السياسي أهمية المبادرة الملكية الأطلسية الموجهة إلى دول الساحل، باعتبارها مشروعا استراتيجيا يروم تمكين البلدان الإفريقية غير المطلة على المحيط من الولوج إلى الواجهة الأطلسية، وتعزيز فرص التعاون والتبادل التجاري والاندماج الاقتصادي، مبرزا أن الموقع الجغرافي للأقاليم الجنوبية يمنحها مؤهلات مهمة للاضطلاع بدور حلقة وصل بين إفريقيا وأوروبا، ورافعة للتعاون الاقتصادي والاستثماري بين القارتين.
وخلص أولودي إلى أن الرهان في المرحلة المقبلة لا ينبغي أن يقتصر على صيانة المكتسبات الدبلوماسية والسياسية، بل يتعين أن يمتد إلى ضمان انعكاسها المباشر على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال تحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم المقاولات والاستثمار المحلي، وتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، في إطار الجهوية المتقدمة والنموذج التنموي الخاص بالأقاليم الجنوبية، مشددا على أن المسيرة الخضراء ليست مجرد ذكرى وطنية تستحضر حدثا من الماضي، بل مدرسة في التعبئة والتلاحم والمسؤولية الجماعية، ورسالة للأجيال الحالية والصاعدة مفادها أن الدفاع عن الوحدة الترابية يرتبط أيضا ببناء الإنسان وتنمية المجال وترسيخ شروط العيش الكريم.


تعليقات
0