جريدة البديل السياسي . بقلم الأستاذ جمال الغازي
تظل في أعماق النفس جراح لا يندمل أثرها، وندوب يوقظها الشوق كلما مر بخاطرنا طيف من ذكريات الأيام الخالية. هل تعرف ما الذي يعتصر قلبي ألما يا دكتور مصطفى Mostafa Elghadiri الغالي؟ إنه ذلك الشعور القاسي بأنني لم أتمكن من معانقة صديقي إبراهيم بولحروز عناق الوداع.
وأنا أكتب هذه الكلمات، والدموع تنساب من عيني، أشعر أنني أستعيد إبراهيم بكل تفاصيله، وأستعيد معه زمنا جميلا من حياتنا، زمنا كان فيه للصحبة معنى، وللصداقة طعم، وللرفاق حضور لا تعوضه السنوات.
كان إبراهيم أكثر من مجرد رفيق؛ كان أقرب صديق إلى روحي في أيام الثانوية، ووجها أليفا أضاء أركان منزل والدي بزياراته، وسندا حاضرا لم يتخلف عن عيادتي ومواساتي في زمن الاعتقال والجرح. لكن الأقدار كثيرا ما ترسم لنا طرقا غير تلك التي نتمنى. فعلى الرغم من أننا اتفقنا، قبل خمسة عشر عاما، على أن نلتقي، فإن الأيام سرقتنا، ولم يكتب لنا أن نفي بذلك اللقاء.
وحين تحدثت إليه قبل رحيله بأسابيع قليلة، خلال فترة مرضه، غمرني بضحكته الهادئة نفسها التي عرفتها فيه منذ أيام الشباب، محاولا أن يخفي ثقل المرض بكلمات مطمئنة وشفافة. كان يخاطبني بنبرته الوادعة، وكأنه يقول لي: “يا جمال، لا تقلق، أنا بخير”. لم يحمل حديثه أي إشارة إلى أن الموت كان يقف على بابه، حتى فاجأني حديثك، وأخبرتني بنبأ رحيله بعد أيام قليلة.

أوجعني الفقد كثيرا، لأنني لم أتمكن من الاستماع إلى تفاصيل حكايته بعد التخرج، ولا إلى محطات حياته واستقراره في مدينة وجدة. وعلى الرغم من أنني حاولت في وقت سابق زيارته هناك، فإن الحظ لم يسعفني في أن ألتقيه. ومع ذلك، لا يزال عتاب الذات يهمس في داخلي كلما تذكرته، وكأن القلب يبحث عن فرصة أخيرة ليقول ما لم يقله.
رحل إبراهيم، لكنه ترك في وجداني درسا لن يمحى، ووجعا سيظل حيا في ذاكرتي. ومن رحم هذا الفقد، أخذت على نفسي عهدا صادقا بأن أخلد ذكرى كل صديق ترك أثرا في حياتي، وأن أكتب عن أولئك الذين أضاءوا عتمة الطريق، وشاركوا معنا نبل الصداقة ودفء الرفقة، وتركوا في القلب ما لا يستطيع الزمن محوه.
فبعض الاصدقاء لا يرحلون تماما، حتى وإن غابت أجسادهم. يبقون في تفاصيل الذاكرة، في ضحكة قديمة، وفي موقف نبيل، وفي لحظة عابرة تعيد إلينا زمنا جميلا لن يتكرر.
رحم الله إبراهيم، وجعل مثواه الجنة، وسلام على تلك الصحبة الطيبة التي لا ينطفئ نورها برحيل الأجساد، ولا تنتهي حكايتها ما دام في القلب مكان للوفاء والذكرى.


تعليقات
0