جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

في نقد الوعي اليومي: تأملات في ما يصنعنا

706317347_2666811077047246_8147513961322528039_n

جريدة البديل السياسي – بقلم الأستاذ طعام عبد المجيد

في نقد الوعي اليومي: تأملات في ما يصنعنا

لماذا يدافع المقهور عن النظام الذي يقهره؟

3 ـ جورج لوكاش: الوعي الزائف والتشيؤ وآلية التطبيع

إذا كان غرامشي قد بين لنا في الحلقة السابقة كيف تمارس الهيمنة حين تنجح الطبقة المهيمنة في صناعة الرضا وجعل رؤيتها للعالم جزءا من الحس المشترك، فإن لوكاش يدفع السؤال خطوة أبعد: ماذا يحدث داخل وعي الفرد نفسه حين تتحول علاقات القوة والاستغلال إلى أمور تبدو طبيعية وبديهية؟ هنا ننتقل من الهيمنة الثقافية وصناعة القبول عند غرامشي إلى الوعي الزائف والتشيؤ عند لوكاش. أي من سؤال: كيف يقبل الناس بالنظام؟ إلى سؤال أكثر عمقا: كيف يصبح هذا النظام هو الإطار الذي يفهمون من خلاله واقعهم ومعاناتهم؟

قدم التراث الماركسي أحد أكثر المفاتيح النظرية قدرة على تفسير هذه المفارقة. فالهيمنة لا تستمر بالقوة المادية وحدها. إنها تستمر أيضا حين تنجح العلاقات الاجتماعية القائمة في إخفاء طبيعتها التاريخية، فتظهر للأفراد كما لو كانت علاقات طبيعية لا بديل عنها.

من هنا لا ينبغي فهم الوعي الزائف باعتباره مجرد جهل بالوقائع، ولا نقصا في الذكاء أو المعرفة. المسألة أعمق من ذلك. فالوعي يصبح زائفا حين يدرك الفرد واقعه من خلال التفسيرات التي ينتجها المجتمع نفسه. يرى نتائج النظام من غير أن يرى العلاقات التي أنتجتها. يرى الفقر، لكنه قد لا يرى البنية الاجتماعية التي توزع الثروة وملكية وسائل الإنتاج والفرص بصورة غير متكافئة. ويرى البطالة، لكنه قد يفسرها بكسل العاطلين. ويرى ارتفاع الأسعار، لكنه يعاملها أحيانا كما لو كانت ظاهرة طبيعية مستقلة عن القرارات الاقتصادية وعلاقات السوق والقوة. بل قد يصل الأمر إلى تفسير الغلاء تفسيرا غيبيا، أو رد نجاح أصحاب الثروة إلى قوى غيبية أو إلى الجدارة الفردية وحدها، من غير سؤال عن شروط التراكم والملكية والوراثة وشبكات النفوذ التي جعلت هذا النجاح ممكنا.

إن ما يختفي هنا ليس الواقع نفسه، وإنما العلاقات التي تنتجه. وهنا يتدخل جورج لوكاش ليمنحنا أداة أكثر دقة. ففي كتابه “التاريخ والوعي الطبقي” الصادر سنة 1923، يطور مفهوم التشيؤ، مستندا إلى ما سماه ماركس “فتشية السلعة Fétichisme de la marchandise”، أي ظهور السلعة وكأن لها قيمة مستقلة بذاتها، مع إخفاء العلاقات الاجتماعية والعمل البشري الكامن وراءها.

فالمشكلة عند لوكاش ليست أن الإنسان يحمل أفكارا خاطئة فحسب. المشكلة أن المجتمع الرأسمالي نفسه يجعل العلاقات التي صنعها البشر تظهر أمامهم في صورة أشياء وقوانين موضوعية مستقلة عن إرادتهم. وتتحول العلاقات الاجتماعية، وهي في الأصل نتاج أفعال بشرية وتاريخية، إلى وقائع تبدو جامدة وطبيعية. وهذا هو جوهر التشيؤ.

فالسوق، مثلا، لا يظهر في الوعي اليومي بوصفه مجموعة علاقات بين مالكين وعمال ومؤسسات ودولة ومصالح متعارضة. يظهر كأنه قوة قائمة بذاتها: “السوق يفرض ذلك”. والأسعار تبدو كما لو كانت تتحرك من تلقاء نفسها. والبطالة تظهر كما لو كانت مصيرا محتوما لبعض الأفراد. والتفاوت يبدو نتيجة طبيعية لاختلاف المواهب والاجتهاد. وهكذا تتحول العلاقات بين البشر إلى علاقات بين أشياء: الأجر، السعر، السوق، الشهادة، المنصب، الاستثمار، القدرة الشرائية. ويختفي وراء هذه الأشياء سؤال أساسي: من يملك؟ ومن يقرر؟ ومن يستفيد؟ ومن يتحمل الكلفة؟

ولا يقتصر التشيؤ عند لوكاش على المجال الاقتصادي. إنه يمتد إلى طريقة إدراك الإنسان لنفسه وللآخرين وللمجتمع ككل. فحين تهيمن صورة السلعة والتبادل على الحياة الاجتماعية، يمكن أن يتحول الإنسان نفسه إلى وحدة قابلة للقياس. فالتشيؤ يمس علاقة الفرد بالأشياء وبالآخرين وبذاته وبالمجتمع.

وهنا تظهر أهمية التطبيع. فما هو تاريخي يصبح طبيعيا. وما هو نتاج علاقة قوة يصبح قدرا. وما يمكن تغييره سياسيا واجتماعيا يتحول في الوعي اليومي إلى حقيقة لا معنى للاعتراض عليها.

لهذا لا تحتاج البنية الاجتماعية إلى إقناع الفرد كل صباح بأنها شرعية. يكفي أن تتكرر تفسيراتها في المدرسة والأسرة والإعلام والخطاب السياسي والديني والحديث اليومي حتى تتحول إلى ما يشبه البداهة. وصبح كل الأحكام مع الزمن جزءا من الحس المشترك. فيحدث عندئذ تحول بالغ الأهمية: تنتقل المسؤولية من البنية إلى الفرد.

هذه الآلية هي التي تجعل الوعي الزائف فعالا سياسيا. فالنظام لا يحتاج دائما إلى الدفاع عن نفسه. يمكن أن يقوم بعض المتضررين منه بهذه المهمة بالنيابة عنه حين يتبنون اللغة التي تفسر معاناتهم باعتبارها نتيجة لنواقصهم الشخصية.

يمكن قراءة بعض النقاشات المغربية من هذا المنظور، فقد أثار الفنان المغربي رشيد الوالي جدلا سنة 2026 بعد دعوته الشباب إلى الاجتهاد وألا يعلقوا مستقبلهم كليا على الحكومة والمسؤولين. ليست المسألة هنا إصدار حكم على هذا الفنان أو افتراض دوافعه. ما يعنينا هو بنية الخطاب وكيف تحول الفنان نفسه إلى مجرد أداة لتكريس الوعي الزائف . فحين تطرح البطالة أساسا بوصفها مشكلة في سلوك الفرد، ينتقل التحليل من مستوى الاقتصاد والمؤسسات وسوق الشغل إلى مستوى الأخلاق الشخصية: المبادرة في مقابل الاتكالية، والاجتهاد في مقابل الكسل، والإرادة في مقابل الفشل. وهكذا يصبح الفرد هو المتغير الوحيد المطالب بالتغير، بينما تبقى البنية خارج مجال السؤال.

وتظهر الآلية نفسها بصيغة مختلفة عندما يعاد تفسير المسألة الاقتصادية بلغة أخلاقية أو دينية. خلال الحملة الانتخابية في شتنبر 2026، قال عبد الإله بنكيران إن اللحم والدجاج ليسا أعز شيء عند المغاربة، واضعا العقيدة والدين في مرتبة أعلى من النقاش المتعلق بأسعارهما. وقد ذهب أبعد في فصل الظاهرة الاجتماعية عن شروطها المادية والاقتصادية، حين سبق أن عزا، على صفحات جريدة “العصر”، الفقر إلى ارتكاب المعاصي، محولا بذلك مشكلة اجتماعية مركبة إلى تفسير أخلاقي وديني فردي.

من منظور ماركسي، يصبح السؤال هنا: ماذا يحدث عندما تزاح المشكلة من مجال الإنتاج والتوزيع والأجور والأسعار إلى مجال الأخلاق أو العقيدة؟ الأمر لا يتعلق بنفي حرية المعتقد. ما يهمنا هو التحول في مستوى التفسير. فارتفاع ثمن مادة غذائية ظاهرة مرتبطة بالإنتاج والاستيراد والتوزيع والمنافسة والسياسات العمومية والقدرة الشرائية ، وليس بقدر إلهي فالقول : إن الله هو المسعر ، قول يهدف إلى منع الأفراد من طرح تساؤلات حول العلاقات الاجتماعية والاقتصادية .

أما الانتخابات التشريعية المغربية لسنة 2026، فقد أعادت بدورها طرح سؤال العلاقة بين تغير الوجوه واستمرار البنية. ومن منظور القراءة الماركسية، لا يكفي النظر إلى تغير الأحزاب أو الأشخاص داخل المؤسسات. السؤال الأعمق هو: إلى أي حد يؤدي تغير الأشخاص والأحزاب إلى تغير البنية الاجتماعية التي تنتج السلطة والثروة؟

الماركسية لا تقف عند التداول بين النخب داخل المؤسسات. إنها تسأل عن العلاقة بين السلطة السياسية والملكية الاقتصادية. لذلك لا يكفي أن يتغير اسم الحزب الأول أو رئيس الحكومة.

هنا نصل إلى واحد من أكثر مفاهيم لوكاش أهمية: الكلية. الوعي اليومي يرى الوقائع مجزأة. يرى البطالة وحدها، والأسعار وحدها، والانتخابات وحدها، والتعليم وحده، والسكن وحده. أما الوعي النقدي فيحاول إعادة تركيب هذه الظواهر داخل علاقاتها.

قد يعرف العامل أو العاطل تفاصيل معاناته معرفة دقيقة، ومع ذلك لا يمتلك بالضرورة وعيا بطبيعة النظام الذي تنتج داخله تلك المعاناة. معرفة التجربة ليست هي نفسها معرفة البنية.

لهذا كان مفهوم الكلية مركزيا عند لوكاش. فالنقد لا يعني اكتشاف معلومة سرية يخفيها النظام، وإنما إعادة وضع الوقائع المنفصلة داخل الشبكة التي تربط بينها. البطالة ليست فقط تجربة شخص يبحث عن عمل. إنها مرتبطة بنمط الاستثمار والتعليم والأجور وتوزيع رأس المال. والغلاء ليس مجرد رقم في السوق. إنه يتصل بالإنتاج والتوزيع والدخل وعلاقات القوة. والانتخابات ليست مجرد بطاقات اقتراع. إنها تجري داخل مجتمع موزع بصورة غير متكافئة من حيث الثروة والموارد ووسائل التأثير.

ومن هنا يصبح الوعي الطبقي عند لوكاش مختلفا عن مجموع الآراء التي يحملها أفراد طبقة معينة في لحظة معينة. فقد يعبر العامل نفسه عن أفكار محافظة على النظام أكثر من أفكار صاحب رأس المال. ولذلك يميز لوكاش بين الوعي التجريبي الذي يحمله الناس بالفعل وبين الوعي الطبقي الممكن، أي الوعي الذي يصبح ممكنا عندما تدرك الطبقة موقعها داخل مجمل العلاقات الاجتماعية، لا عندما ترى تجربتها الفردية منعزلة عنها.

قد يدافع المقهور عن هذا النظام لأن مقولاته أصبحت هي الأدوات التي يفهم بها العالم. حين يفسرالفقير فقره بفشله الشخصي مثلا ، تكون البنية قد حققت درجة عالية من النجاح الأيديولوجي. لم تعد في حاجة إلى الحديث عن نفسها، لأن الفرد أصبح يتحدث بلغتها. وهنا يصبح الوعي الزائف أكثر فاعلية من الإكراه، لأنه يحول علاقة اجتماعية قابلة للتغيير إلى حكم أخلاقي يصدره الإنسان على ذاته.

لكن ينبغي الحذر من سوء استعمال المفهوم ، ذلك أن الوعي الزائف ليس عيبا نفسيا في الفرد. إنه نتاج اجتماعي. العامل والرأسمالي معا يعيشان داخل عالم التشيؤ، وإن كان موقع كل واحد منهما مختلفا. والأفكار السائدة لا تفرض من خارج المجتمع فقط، بل تستمد قوتها من شكل الحياة نفسها. فالإنسان الذي يذهب كل صباح ليبيع قوة عمله لقاء أجر لا يحتاج إلى كتاب أيديولوجي يخبره أن قوة عمله سلعة. حياته اليومية تعلمه ذلك. وهكذا فإن الأيديولوجيا الأقوى ليست دائما تلك التي تقال. إنها تلك التي تعاش.

لهذا فإن أخطر نتائج الوعي الزائف ليست مجرد سوء تفسير الواقع، وإنما مساهمة الأفراد أنفسهم في إعادة إنتاجه. حين يلوم الفقير فقيرا آخر لأنه “لا يريد العمل”، يعيد إنتاج الخطاب الذي يجعل الفقر مسؤولية فردية. وحين يدافع المواطن عن ارتفاع تكلفة حاجاته الأساسية باعتبار أن “هذه هي السوق”، فإنه يمنح علاقة تاريخية صورة قانون طبيعي. لذلك لا يكون تجاوز الوعي الزائف، في المنظور اللوكاشي، بمجرد استبدال فكرة خاطئة بفكرة صحيحة. المطلوب أعمق: الانتقال من رؤية الوقائع منفصلة إلى إدراك الكلية الاجتماعية التي تربط بينها. الوعي النقدي يبدأ في اللحظة التي يتوقف فيها الفرد عن السؤال فقط: ما الخطأ الذي ارتكبته حتى وصلت إلى هذا الوضع؟ ويضيف إليه سؤالا آخر: ما العلاقات الاجتماعية التي تجعل هذا الوضع يتكرر عند أعداد كبيرة من الناس؟

في هذه النقلة من السيرة الفردية إلى البنية، ومن الحادثة المنعزلة إلى الكلية، ومن الشيء إلى العلاقة التي أنتجته، يبدأ انكسار التشيؤ. وعندئذ يتضح أن سؤال: لماذا يدافع المقهور عن النظام الذي يقهره؟ لا يمكن الإجابة عنه بالقول إنه جاهل أو مخدوع فحسب. ففي أفق ماركس ولوكاش، يصبح النظام أكثر رسوخا عندما ينجح في تحويل علاقاته التاريخية إلى بداهات يومية، ثم يجعل الذين يعيشون نتائجها يستخدمون تلك البداهات نفسها لتفسير معاناتهم.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي