جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

سلسلة_شخصيات_ناظورية_تعرفت_عليها – الجزء الثاني اليزيد الدريوش: حكاية شغف بدأت بكتاب وامتدت في ذاكرة الريف –

277762915_639170830509423_834590855648921581_n

جريدة البديل السياسي – بقلم الاستاذ جمال الغازي

سلسلة_شخصيات_ناظورية_تعرفت_عليها – الجزء الثاني اليزيد الدريوش: حكاية شغف بدأت بكتاب وامتدت في ذاكرة الريف –

 

لكل باحث حكايته الأولى مع المعرفة، تلك اللحظة الصغيرة التي قد تبدو عابرة في وقتها، لكنها تترك في النفس أثرا لا يمحى.

وبالنسبة إلى اليزيد الدريوش ، بدأت الحكاية في أزغنغان، منذ سنوات الطفولة، حين لم يكن التاريخ بالنسبة إليه مجرد مادة دراسية، بل عالما واسعا يفتح أمامه أبواب الأسئلة والدهشة والرغبة في اكتشاف ما تخفيه الذاكرة. ولد اليزيد الدريوش بأزغنغان سنة 1974، وحصل على شهادة البكالوريا سنة 1994.

ومنذ سنواته الأولى وجد نفسه منجذبا إلى مادة التاريخ، وارتبط هذا الميل في ذاكرته بوجه أستاذه محمد العماري، أطال الله في عمره، الذي درسه سنة 1984. كان ذلك من الخيوط الأولى التي نسجت علاقته بالتاريخ، قبل أن يدرك أن هذا الشغف سيرافقه سنوات طويلة ويتحول من مجرد اهتمام مدرسي إلى مسار من البحث والتنقيب. ولعل أجمل ما في بداياته أن علاقته بالكتاب ارتبطت منذ البداية بذاكرة الأسرة. كان أول كتاب تاريخي قرأه هو “كفاح آيت باعمران”، وقد أعطته والدته ثمنه من مالها الخاص، فاشتراه من مكتبة الحرية، التي كانت آنذاك واحدة من فضاءات الكتاب والمعرفة في المدينة، قبل أن تختفي من الوجود. لم يكن ذلك الكتاب مجرد عنوان جديد في مكتبة شاب مولع بالتاريخ، بل كان يحمل معنى أعمق: هدية من أم أدركت مبكرا شغف ابنها، فساهمت، من حيث ربما لم تكن تعلم، في إشعال شرارة سترافقه طوال حياته.

أما الكتاب الثاني الذي قرأه فكان عن صلاح الدين الأيوبي، ومن خلال هذه القراءات الأولى بدأ عالم التاريخ يتسع أمامه، من تاريخ المغرب والريف إلى التاريخ العربي والإسلامي وشخصياته وأحداثه. وفي المرحلة الإعدادية، وجد هذا الميل الطبيعي إلى التاريخ من يغذيه ويشجعه. فقد كان لعدد من أساتذته أثر في ترسيخ هذا الشغف، ومن بينهم أحمد الفهمي، والطيب العشاب، وبيلال ياسمين. لم يكونوا مجرد أسماء مرت في مساره الدراسي، بل كانوا جزءا من مرحلة بدأت فيها الهواية تتحول إلى اهتمام حقيقي، وبدأت معها تتشكل لديه رغبة في القراءة أكثر، والسؤال أكثر، والبحث عن أجوبة تتجاوز ما يقدمه الكتاب المدرسي. ثم جاءت الصحافة الثقافية لتوسع أمامه الطريق. كان يتابع باهتمام الملحق الثقافي لجريدة العلم يوم السبت، ويتوقف خصوصا عند ما كان ينشر فيه من مواد تتعلق بتاريخ الريف.

ومن بين الأسماء التي أثارت اهتمامه في تلك المرحلة محمد بن عزوز الحكيم وعبد العزيز التمسماني خلوق.

كانت تلك المقالات بالنسبة إلى شاب مولع بالتاريخ أشبه برحلات أسبوعية إلى الماضي، تمنحه في كل مرة تفاصيل جديدة وأسئلة جديدة، وتجعله أكثر تعلقا بتاريخ منطقة لم يكن يريد أن يكتفي بقراءة ما كتب عنها، بل بدأ يرغب في الوصول بنفسه إلى مصادرها وأمكنتها وأهلها. وهنا بدأ التحول الحقيقي: من شغف بالقراءة إلى البحث الميداني.

مع مرور السنوات، انتقل الدريوش من متابعة ما يكتب عن الريف إلى محاولة الوصول بنفسه إلى الوثيقة والصورة والمكان والرواية الشفوية. أصبح العمل الميداني جزءا من تجربته، من خلال زيارة المواقع التاريخية، والبحث في الصور والوثائق، والاستماع إلى أبناء المنطقة، ومقارنة الروايات المحلية بما توفره المصادر التاريخية.

ولعل ما يميز تجربته أنه لا يتعامل مع تاريخ الريف باعتباره مجموعة من التواريخ والأسماء، وإنما كذاكرة ما تزال حاضرة في البيوت والقرى والمعالم والأحاديث العائلية. لذلك ظل يبحث عن التاريخ حيث يمكن أن يجده: في وثيقة قديمة، أو صورة نادرة، أو بناية آيلة إلى الاندثار، أو شهادة شخص احتفظ في ذاكرته بما سمعه من آبائه وأجداده.

وقاده هذا الاهتمام إلى ملفات متعددة من تاريخ الريف، من المقاومة الريفية والعلاقات المغربية الجزائرية، إلى الشخصيات المحلية والمعالم العسكرية والتراث المادي والتاريخ الاجتماعي للمنطقة.

ومن الملفات التي حظيت باهتمامه موضوع العلاقة التاريخية بين الريف والجزائر ودور أبناء المنطقة في دعم الثورة الجزائرية. ففي ندوة نظمتها جمعية أمزيان بالناظور سنة 2018 بعنوان “الريف ودوره في دعم الثورة الجزائرية”، تناول الدريوش الجذور التاريخية للعلاقة بين الريف والجزائر، ومساهمة أبناء المنطقة في الحركة التحررية الجزائرية. وفي هذا السياق، أولى اهتماما خاصا للمقاوم محمد الخضير الحموتي، المعروف بلقب “الجندرمي”، وساهم في التعريف بمساره ودوره في دعم الثورة الجزائرية، مستندا إلى وثائق وصور وشهادات مرتبطة بعائلته، وإلى ما توفر من معطيات حول علاقاته برجال المقاومة والثورة الجزائرية.

ويكشف هذا الملف عن جانب مهم من شخصيته البحثية: البحث عن الأسماء التي بقيت بعيدة عن دائرة الضوء، ومحاولة إعادة وضعها في سياقها التاريخي، خصوصا عندما تكون قصصها محفوظة في الذاكرة العائلية والمحلية أكثر مما هي حاضرة في الكتب.

وإذا كان الإنسان يحمل جزءا من الذاكرة، فإن المكان يحمل جزءا آخر منها. لذلك اتسع اهتمام الدريوش ليشمل المعالم التاريخية والعسكرية التي ظلت شاهدة على مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة.

ومن بين المواقع التي اهتم بها الثكنة العسكرية القديمة بأزغنغان، متوقفا عند تاريخها خلال فترة الاستعمار الإسباني وعلاقتها بسياق المنطقة وتحولاتها. كما عبر سنة 2022 عن رفضه هدم”متحف البستان” بجماعة بني شيكر، داعيا إلى التعامل مع مثل هذه المواقع باعتبارها جزءا من ذاكرة المنطقة، لا مجرد أبنية يمكن أن تختفي دون أثر.

وهذا الاهتمام بالمكان ليس منفصلا عن اهتمامه بالإنسان؛ فالمعلم التاريخي بالنسبة إليه لا تكمن قيمته في حجارته فقط، وإنما في القصص التي ارتبطت به، والأشخاص الذين مروا منه، والأحداث التي شهدها.

وامتد اهتمامه أيضا إلى التاريخ الاجتماعي والثقافي، ومنه حضور المرأة الريفية في الحياة العامة. فقد كتب عن “نساء ريفيات رائدات بين الأمس واليوم”، متوقفا عند نماذج نسائية ارتبطت بالتعليم والصحافة والثقافة.

وهو اهتمام يوسع معنى الذاكرة، لأن تاريخ المجتمعات لا تصنعه الشخصيات السياسية والعسكرية وحدها، وإنما تصنعه أيضا النساء والرجال، والمدرسون والمثقفون، والأسر، وكل من ترك أثرا في حياة المكان.

. ومع اتساع اهتمامه بالتاريخ والمكان، وجد هذا المسار طريقه أيضا إلى المادة الإعلامية والروبورتاجات المرئية. فقد شارك في تقديم معطيات حول مواقع تاريخية وأثرية في إقليم الناظور والريف، محاولا تقريب التاريخ من الناس وإخراجه من الكتب والمراجع إلى الأماكن التي عاش فيها بالفعل.

كما شارك في عمل جماعي حول “قصبة سلوان”، واستمر حضوره في عدد من اللقاءات والندوات والمواد الوثائقية التي تناولت تاريخ الريف وتراثه.

وفي سنة 2025 حظي الدريوش بتكريمات محلية تقديرا لجهوده في البحث والتوثيق والتعريف بتاريخ المنطقة وتراثها، من بينها تكريمه ضمن “شخصيات السنة” بالناظور، ثم تكريمه في الدورة الأولى لمهرجان “أورار” للتراث الثقافي بالناظور.

لكن، رغم كل هذه المحطات، أعتقد أن مسيرة اليزيد الدريوش لا يمكن فهمها من خلال الندوات والتكريمات وحدها.

فالحكاية الحقيقية ربما توجد في تلك التفاصيل الصغيرة التي صنعت علاقته الأولى بالتاريخ: أستاذ شجعه، وكتاب اشترته له والدته، وملحق ثقافي كان ينتظره كل يوم سبت، ثم سنوات طويلة من القراءة والسؤال والبحث.

أما اليزيد الذي عرفته أنا، فلم أعرفه فقط من خلال ما كتب أو ما شارك فيه من ندوات ولقاءات، وإنما عرفته باحثا مجتهدا، كثير البحث والقراءة، لا يمل من السؤال ولا يتعب من التنقيب. ينتقل من مكان إلى آخر، يسأل الناس، يبحث عن كبار السن، يستمع إلى الروايات، ويتتبع التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو للآخرين عابرة، لكنه يعرف أن وراءها أحيانا مفتاحا لفهم مرحلة كاملة من تاريخ المنطقة.

وعرفته أيضا شغوفا بكل ما هو قديم. يشتري، رغم ضعف إمكانياته، كل ما يستطيع الوصول إليه من كتب ووثائق وصور وأشياء قديمة، وكأن لديه إحساسا بأن ما يراه البعض مجرد بقايا من الماضي، قد يكون غدا وثيقة لا تقدر بثمن.

لديه روح المكتشف والمنقب؛ لا يكتفي بأن يقرأ ما كتبه الآخرون، بل يريد أن يبحث بنفسه، وأن يصل إلى الأشخاص والأماكن والوثائق، وأن يعيد تركيب الحكاية من شظايا متناثرة.

وحتى في بحثه عن تاريخ العائلات والأقارب، يبدو ذلك الفضول حاضرا بقوة؛ فهو يحاول أن يصل إلى الروابط التي صنعت ذاكرة الأسر، وأن يعرف من أين جاءت الأسماء، وأين عاش أصحابها، وما الذي تركوه وراءهم.

وهذا، في نظري، هو الجانب الأجمل في تجربة اليزيد الدريوش. فالباحث الحقيقي ليس من يملك أكبر عدد من الكتب، ولا من يجمع أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يظل لديه ذلك الفضول الطفولي الجميل الذي يجعله يقول دائما: ماذا وراء هذه الصورة؟

من صاحب هذا الاسم؟ أين اختفت هذه الوثيقة؟ من يعرف هذه الحكاية؟ وماذا يمكن أن تضيف ذاكرة رجل مسن إلى ما تقوله الكتب؟ هكذا عرفت اليزيد: باحثا لا يكتفي بالنظر إلى الماضي من بعيد، بل يلاحقه في الأزقة والبيوت والوثائق والوجوه والذاكرة.

وقد بدأت حكايته، كما حكى لي، بكتاب اشترته له أمه، لكنها لم تتوقف عند صفحات ذلك الكتاب. امتدت السنوات، واتسعت الأسئلة، وتحول الكتاب إلى شغف، والشغف إلى بحث، والبحث إلى رحلة مفتوحة في ذاكرة الريف. وربما أجمل ما يمكن أن يقال عنه اليوم أن رحلته لم تنته بعد. فما زالت هناك وثائق لم تكتشف، وصور لم تصل إلى أصحابها، وشهادات تختبئ في ذاكرة كبار السن، وأسماء تنتظر من يعيدها إلى مكانها في تاريخ المنطقة.

فالتاريخ ليس ملكا لكاتب واحد، ولا لذاكرة فرد واحد. إنه ذاكرة جماعية، وكل معلومة صادقة يمكن أن تكون لبنة في بناء صورة أكثر اكتمالا. أما اليزيد، فسيظل في نظري واحدا من أولئك الذين اختاروا أن يمشوا عكس اتجاه النسيان: يبحثون، يسألون، يقرأون، يقتنون، وينقبون، لأنهم يؤمنون بأن ما يضيع من ذاكرة الناس قد لا يعود أبدا.

ومن يعرف اليزيد يعرف أن البحث بالنسبة إليه ليس هواية عابرة، بل شغف يسكنه. شغف بدأ بكتاب، وكبر مع السنوات، ولا يزال يبحث عن صفحته التالية في ذاكرة الريف.

والسلام عليكم ورحمة الله

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي