جريدة البديل السياسي
سعيد الموساوي.. ابن الريف وشاعر النواة التي تبرعمت في صمت
ليس سعيد الموساوي مجرد اسم في سجل الشعر الأمازيغي، بل هو ذاكرة حية تمشي على قدمين، ورجل حمل الريف في قلبه وقصيدته، فصار عنوانا لمرحلة بأكملها من مراحل النهضة الثقافية الأمازيغية في شمال المغرب.
ولد الشاعر سعيد الموساوي سنة 1958 في قبيلة بني بويفرور قرب أزغنغان على مشارف الناظور، حيث الأرض قاسية والجبل شامخ والإنسان متجذر. هناك، في حضن الريف، تشكلت أولى ملامح الوعي لديه، وسمع هدير الريح بين الصخور، وأنصت لصوت الأمهات وهن يرددن الأهازيج الأمازيغية القديمة، فاختزن كل ذلك في وجدانه ليحوله فيما بعد إلى شعر.
في أواخر السبعينات، والريف يبحث عن صوته بعد سنوات من الصمت المفروض، كان سعيد الموساوي من المؤسسين لفرقة إين مازيغ، تلك التجربة التي لم تكن مجرد فرقة موسيقية، بل كانت بيانا ثقافيا وصرخة هوية. من خلالها، لم يقدم الأغنية للترفيه، بل قدمها كالتزام، كلمة عميقة واعية، ترفض الابتذال وتسمو بالذائقة. ولأن كلمته كانت أصدق من أن تبقى حبيسة الأرشيف، تلقفتها المجموعات الغنائية الريفية الملتزمة، وفي مقدمتها مجموعة إثران، فغنت قصائده ورددها الشباب في الجبال والجامعات والأسواق، فتحول شعر الموساوي إلى نشيد جماعي.
ثم جاءت لحظة التتويج الأدبي الحقيقي سنة 1994 بصدور ديوانه الخالد Isfuffid u3eqqa، تبرعمت النواة. لم يكن الديوان مجرد مجموعة قصائد، بل كان إعلانا عن ميلاد شعر ريفي حديث مكتوب بالأمازيغية، بجرأة لغوية وجمالية غير مسبوقة. العنوان وحده كان برنامجا، النواة التي صبرت طويلا تحت التراب تبرعمت أخيرا. فيه كتب الموساوي عن الأرض والمنفى والمرأة والحرية والهوية، بلغة أمازيغية صافية، عميقة، محملة برموز الجبل والبحر والحقل، فصار مرجعا للأجيال اللاحقة وأيقونة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن الشعر الريفي المعاصر.
ولم يكن سعيد الموساوي شاعرا منعزلا في برج عاجي، بل كان فاعلا جمعويا ومؤسساتيا يؤمن بأن الثقافة فعل يومي. لذلك شغل عضوية المجلس الإداري للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، مدافعا عن الأمازيغية من داخل مؤسسات الدولة، ومترافعا عن ضرورة إعطائها المكانة التي تستحقها في التعليم والإعلام والحياة العامة. كما تولى إدارة المركب الثقافي لتجزئة المطار بالناظور، فحول ذلك الفضاء من مجرد بناية إدارية إلى ورش ثقافي حي، يحتضن الشعراء والموسيقيين والشباب الحالمين.
إن قيمة الشاعر والمثقف الأمازيغي سعيد الموساوي، ابن الريف، لا تكمن فقط فيما كتب، بل فيما جسده. هو نموذج للمثقف العضوي الذي لم يخن قضيته، لم يساوم على لغته، ولم يغادر جبله حتى وهو يسكن المدينة. ظل وفيا لبني بويفرور، وفيا للريف، وفيا للأمازيغية كلغة للحياة وليست مجرد موضوع للدراسة.
اليوم، ونحن نقرأ Isfuffid u3eqqa بعد ثلاثين سنة من صدوره، ندرك أن النواة التي زرعها سعيد الموساوي لم تتبرعم فقط، بل صارت شجرة وارفة، يستظل بها كل من يكتب بالأمازيغية وكل من يؤمن بأن الهوية لا تموت، بل تنتظر من يكتبها بصدق.


تعليقات
0