جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

حين تصبح الحكمة عزاءً للمشاعر اعداد ا.د/امل محمد جمعة

836438685_28459345277091980_5734223210214115050_n
جريدة البديل السياسي 
حين تصبح الحكمة عزاءً للمشاعر

اعداد

ا.د/امل محمد جمعة

ليست الحياة دائمًا كما نرغب، ولا تأتي الأحداث على مقاس أحلامنا، فقد نمر بتجارب تترك في أعماقنا جروحًا لا يراها أحد، ونواجه مواقف تعجز الكلمات عن وصف أثرها في نفوسنا. وفي خضم هذه التجارب، نكتشف أن المشاعر وحدها لا تكفي لفهم ما يحدث لنا، وأننا بحاجة إلى الحكمة؛ تلك القوة الهادئة التي تمنحنا القدرة على استيعاب الألم، وتقبّل ما لا نستطيع تغييره، والمضي قدمًا دون أن نفقد سلامنا الداخلي.

حين تصبح الحكمة عزاءً للمشاعر، نتعلم أن ليس كل ما يؤلمنا يستحق أن نستنزف أعمارنا من أجله، وليس كل ما نفقده يمثل خسارة حقيقية، وليس كل من يبتعد عن حياتنا يترك فراغًا ينبغي أن نملأه من جديد. فبعض المواقف تأتي لتكشف لنا حقائق غابت عنا، وبعض النهايات تفتح أمامنا أبوابًا لم نكن نراها، وبعض الخيبات تعيد ترتيب أولوياتنا وتعلمنا كيف نختار أنفسنا دون شعور بالذنب.

الحكمة لا تعني أن نتوقف عن الشعور، أو أن نتظاهر بالقوة بينما تتألم أرواحنا، بل تعني أن نمنح مشاعرنا حقها في الحزن، دون أن نسمح للحزن بأن يتحكم في قراراتنا. أن نبكي حين نحتاج إلى البكاء، ونصمت حين تعجز الكلمات، ثم ننهض بهدوء، وقد أصبحنا أكثر فهمًا لأنفسنا وللحياة من حولنا. فالقوة الحقيقية ليست في قسوة القلب، وإنما في القدرة على الاحتفاظ بنقائه رغم ما مر به من تجارب.

ومن أعمق صور الحكمة أن ندرك أن رضا الآخرين ليس مقياسًا لقيمتنا، وأن محاولاتنا المستمرة لإرضاء الجميع قد تجعلنا غرباء عن أنفسنا. فليس مطلوبًا منا أن نشرح مواقفنا لكل شخص، أو أن ندافع عن نوايانا أمام من اختار إساءة فهمنا، أو أن نطارد التقدير في أماكن لا تعرف قيمة ما نقدمه. أحيانًا يكون الصمت أبلغ من التبرير، والابتعاد أكثر رحمة من البقاء، والتسامح مع الذات أهم من انتظار اعتذار قد لا يأتي.

كما تعلمنا الحكمة أن الحياة لا تمنحنا دائمًا الإجابات التي نبحث عنها، وأن بعض الأسئلة تظل معلقة، وبعض العلاقات تنتهي دون تفسير مقنع، وبعض الأحلام تتغير وجهتها رغم صدق سعينا إليها. وهنا يأتي دور النضج النفسي؛ أن نتوقف عن استنزاف أنفسنا في البحث عن أسباب كل شيء، وأن نتقبل حقيقة أن قدرتنا على التحكم محدودة، وأن السلام يبدأ حين نميز بين ما نستطيع تغييره وما ينبغي أن نتعايش معه.

إن عزاء المشاعر لا يأتي دائمًا من كلمات الآخرين، بل قد يولد من فكرة ناضجة نستوعبها، أو حقيقة نتقبلها، أو قرار شجاع نتخذه لحماية سلامنا النفسي. وقد يكون أجمل عزاء نقدمه لأنفسنا أن نتوقف عن لومها على أخطاء الماضي، وأن ندرك أننا اتخذنا بعض القرارات وفقًا لما كنا نعرفه ونشعر به آنذاك، وأن النضج الذي نمتلكه اليوم هو ثمرة تجارب لم تكن كلها سهلة.

وحين تنضج الحكمة في داخلنا، لا تصبح الحياة خالية من الألم، ولكننا نصبح أكثر قدرة على احتوائه. نتعلم أن نختار معاركنا، ونحفظ طاقتنا لما يستحق، ونمنح قلوبنا فرصة للراحة بعيدًا عن الضجيج والتوقعات والخذلان المتكرر. وندرك أن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجوهنا لم تكن نهاية الطريق، بل دعوة للبحث عن طريق أكثر ملاءمة لذواتنا وقيمنا وأحلامنا.

في النهاية، حين تصبح الحكمة عزاءً للمشاعر، نصل إلى مرحلة لا نحتاج فيها إلى الانتصار في كل نقاش، ولا إلى إثبات أنفسنا لكل من حولنا، ولا إلى استعادة كل ما فقدناه. يكفينا أن نعيش بضمير مطمئن، وقلب أكثر اتزانًا، وعقل يعرف متى يتمسك ومتى يترك، ومتى يتحدث ومتى يصمت. فالحكمة ليست أن نمنع الحياة من إيذائنا، وإنما أن نتعلم كيف نعبر تجاربها دون أن نفقد أنفسنا في الطريق؛ وأن نؤمن بأن وراء كل تجربة فرصة للفهم، ووراء كل ألم إمكانية للنضج، وأن أجمل أنواع الطمأنينة هي تلك التي نصنعها داخلنا حين نتعلم أن نعامل مشاعرنا برفق، وأن ننظر إلى الحياة بوعي، وأن نمنح أنفسنا حق البدء من جديد.

 

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي