جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

العباءة المقدسة/ قصة قصيرة… بقلم الأستاذ عبد المجيد طعام

783508049_1775510580356459_6054457791224560921_n

جريدة البديل السياسي 

العباءة المقدسة/ قصة قصيرة

عبد المجيد طعام

من داخل المطبخ، صرخت خدوج:

ـ ” لْبشير… آآآ لْبشير… ماشي للجامع دابا؟ إيوا خذ معك الزبل، لوحو .. وعندك توسخ عبايتك البيضة. صلاة الجمعة غير مقبولة بعباية موسخة!…. سمعتي شنو قلت لك ! !”

لم يجبها . ظل صامتا أمام المرآة، ينسق عباءته البيضاء على جسده في عنايةٍ بطيئة.. عباءة بيضاء.. ناصعة.. تتلألأ فوق جسده كأن يدا سماوية رسمتها من ضياء الملائكة.. مد يده فوقها بحذر، نفض عنها وهم غبار… إنها ليست مجرد عباءة. إنها عباءة يوم الجمعة… وعباءة الأيام التي يريد فيها الإنسان أن يبدو صالحا أكثر مما هو عليه.

ابتسم… ثم خرج… كان يمشي مختالا، بخطوات محسوبة. كان منشغلا بالصورة التي يصنعها عن نفسه. لكن المشهد كان يحمل مفارقة فاضحة: على الجسد تدلت عباءة مقدسة ، وفي يده اليسرى تدلى كيسان من “الزبل”.

وصلا معا إلى منتصف الطريق. هناك كانت “البركاسة”

رابضةً في مكانها، لا تتحرك. تقف مثل شاهد صامت على أخلاق سكان الدرب.

توقف لْبشير في مكانه.. رفع عينيه نحوها… ثم أنزلهما ببطء إلى الكيسين المعلقين في يده. عاد ينظر إليها مرةً أخرى… وفي تلك اللحظة، ولد السؤال.

كان في البداية فكرة عابرة حاول أن يطردها. لكنها أبت أن ترحل… أخذت تكبر شيئا فشيئا، تتضخم في داخله، حتى تحولت إلى شيطان جثم على أنفاسه :

فين غادي تلوح هاد الزبل أ السي لبشير ؟

داخل “البركاسة” ؟ أم خارجها؟ هل فكرت في عباءتك ؟

كان يمكن أن يرمي الكيسين داخل : البركاسة ” وينتهي الأمر. لكنه اكتشف فجأة أنه يواجه معادلة صعبة :

إذا رمى الكيسين داخل البركاسة، يكون قد أدى واجبه وأخلى مسؤوليته تجاه البيئة والمدينة والبشرية. وإذا رماهما خارجها، فلن يضطر إلى الاقتراب من القاذورات المتراكمة حولها ، وهكذا ستحافظ العباءة على نورها وطهارتها المقدسة

لكن ماذا لو رآه أحد؟

بدأت الأسئلة تتناسل: من سيراه؟ ماذا سيقولون ؟

ثم سقط على رأسه السؤال الأكثر إزعاجا: وماذا لو اتسخت العباءة؟

أصابه الدوار. شعر كأن رأسه صار “بركاسة” مدينة ، مكتظة بالأسئلة والوساوس والفتاوى الصغيرة والكبيرة والأزلال.

رفع رأسه.

نظر يمينا.

لا أحد.

نظر يسارا.

لا أحد.

رفع عينيه نحو النوافذ.

مغلقة.

الأبواب؟

مغلقة.

الدرب؟

خاو. تقريبا…. إلا من قطة وحيدة كانت تقف بعيدا، تراقبه بصمت.

لم يهتم بها. إنها مجرد قطة. والقطط لا ترفع تقارير إلى الجيران. انتظر قليلا. ثم انتظر أكثر. حتى اطمأن تماما إلى أن عيون الدرب كلها غافلة عنه .

انحنى…وضع الكيسين خارج “البركاسة” . ثم دفعهما برجله اليسرى إلى أبعد مسافة ممكنة عن عباءته. أما اليمنى، ففقد ادخرها لمهمة أكثر قداسة.

انفتح أحد الكيسين. ثم الثاني. تناثرت بقايا الطعام في الطريق.

تقدمت القطة. اقتربت بحذر. شمت. ثم بدأت تأكل.

أما لْبشير، فلم يلتفت. كان قد استعاد طمأنينته. العباءة ما زالت بيضاء. الطريق خلفه. الزبل خلفه. والقطة منشغلة. أما هو، فكان يتجه نحو المسجد بخطوات واثقة. وابتسامة ماكرة . لم يعرف سببها: ربما لأنه أنقذ عباءته… ربما لأنه أفلت من عيون سكان الدرب… وربما لأنه اكتشف، في تلك اللحظة، أن الطريق إلى المسجد يمكن أن يبدأ بكيسين من الزبل… وينتهي بضمير أكثر نظافة من الطريق نفسه.

ظل لْبشير يمشي.

والقطة تأكل.

و”البركاسة” صامتة.

أما الزبل، فلم يجد فقط مكانه الصحيح ، بل وجد صاحبه الحقيقي ايضا .

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي