جريدة البديل السياسي
قدم الأكاديمي والخبير المغربي في الدراسات الجيواستراتيجية والأمنية، الشرقاوي الروداني قراءة سياسية دقيقة التحالف الحكومي الذي أعلنت عنه رئيسة الحكومة المكلفة، فاطمة الزهراء المنصوري.
و إعتبر الروداني في تصريح لجريدة Rue20 أن التحالف الحكومي بين الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية يضع أربع تجارب سياسية أمام محطة تستدعي العودة إلى جذورها الفكرية والاجتماعية لفهم طبيعة التقارب بينها.
ولعل استحضار السياق الذي نشأ فيه حزب الأصالة والمعاصرة، يضيف المحلل السياسي، يضع انطلاقاً من تجربة حركة لكل الديمقراطيين سنة 2008، يساعد على إدراك بعض أبعاد هذا التحالف. فقد تأسست الحركة على تصور يروم تجديد النخب السياسية، وتوسيع المشاركة في الشأن العام، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره مجالاً للتحديث الديمقراطي والتنمية.
ومن هذا المنطلق، تبلور المشروع المجتمعي للأصالة والمعاصرة حول الحداثة والديمقراطية والمساواة، وتثمين التنوع الثقافي والهوياتي للمغرب، والدفاع عن دولة المؤسسات، وربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية والمجالية. وهي اختيارات تفسر جانباً من قابلية الحزب للتقاطع مع مكونات الكتلة، رغم اختلاف مساراتها التاريخية.
فالاستقلال حسب الشرقاوي، يحمل إرث الحركة الوطنية، والاتحاد الاشتراكي تجربة النضال الديمقراطي والتناوب، والتقدم والاشتراكية تقاليد اليسار والإصلاح الاجتماعي. غير أن هذا التقارب لا يمحو ما راكمته الأحزاب الأربعة من اختلافات في تصور دور الدولة وعلاقتها بالاقتصاد والمجتمع.
وتكمن أهمية التجربة المقبلة في اختبار قدرة الأصالة والمعاصرة على ترجمة مشروعه الحداثي إلى ممارسة حكومية تستوعب هذا التنوع، وتستثمر الرصيد السياسي لشركائه في معالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
ومن منظور الأنثروبولوجيا السياسية، فإن الحزب في المغرب ليس مجرد تنظيم انتخابي تحكمه البرامج والمقررات التنظيمية، بل هو أيضاً فضاء تتقاطع داخله الذاكرة الجماعية وشبكات المصالح والولاءات المحلية والتقاليد النضالية. فالمنتخب الترابي والمناضل التاريخي والفاعل النقابي والنخب المهنية لا يحملون بالضرورة التصور نفسه للمشاركة في السلطة. وقد تتوافق القيادات على برنامج حكومي، بينما تظل بعض قواعدها متأثرة بتاريخ طويل من التنافس. وهنا تكمن إحدى الصعوبات التي ستواجه الائتلاف: المحافظة على الخصوصيات السياسية لكل مكون دون السماح لها بإضعاف التضامن الحكومي.
على المستوى الاقتصادي ، ستجد الأغلبية نفسها أمام معادلة دقيقة. فقد دخل المغرب دورة استثمارية واسعة، مدعومة بالأوراش الكبرى والبنيات التحتية والتحولات الصناعية والطاقية، غير أن المردودية الاقتصادية والاجتماعية لهذه الاستثمارات ستظل رهينة بقدرة المقاولة الوطنية على الاندماج في سلاسل الإنتاج، ورفع إنتاجية العمل، وتوسيع التشغيل المؤهل، وتحسين مداخيل الأسر. فالتوازنات الماكرو اقتصادية، مهما بلغت أهميتها، لا تعكس وحدها مستوى الرفاه الاجتماعي، كما أن ارتفاع الاستثمار لا يؤدي تلقائياً إلى اتساع الطبقة الوسطى. وستكون الحكومة مطالبة بمعالجة الفجوة القائمة بين تراكم الرأسمال وتوزيع عوائده، في ظل محدودية الهوامش المالية وارتفاع كلفة الحماية الاجتماعية.
في هذا الصدد ،جاء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية ليحدد جانباً أساسياً من أولويات المرحلة، خصوصاً من خلال الدعوة إلى التسريع بتفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري وإرساء جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة. وهذه التوجيهات تضع الحكومة أمام مسؤولية مراجعة العلاقة بين القرار المركزي والتنفيذ المحلي، لأن استمرار التفاوت بين الجهات لا يرتبط دائماً بندرة الموارد، وإنما أيضاً ببطء المساطر وضعف التنسيق وتفاوت القدرة المؤسساتية على إنجاز المشاريع. ومن ثم، فإن العدالة المجالية تستوجب توجيه الاستثمار نحو خلق الثروة وفرص الشغل داخل المجالات الترابية، مع إخضاع الإنفاق العمومي لتقييم مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.
وسياسياً، سيواجه التحالف اختباراً يتعلق بالتوفيق بين المرجعيات الاقتصادية والاجتماعية لمكوناته. فالنزعة المشجعة للمبادرة الخاصة والاستثمار ينبغي أن تجد توازنها مع التقاليد الاجتماعية التي تدافع عن الدور التعديلي للدولة وحماية القدرة الشرائية. وقد تظهر هذه الاختلافات عند مناقشة الإصلاح الجبائي أو أنظمة التقاعد أو سياسات الأجور أو إعادة ترتيب أولويات الميزانية. كما أن ضيق الهامش العددي للأغلبية يجعل الانضباط البرلماني والتنسيق بين القيادات الحزبية ضرورة سياسية، خصوصاً عند تمرير النصوص المرتبطة بإصلاحات قد تكون لها كلفة اجتماعية أو انتخابية.
في تقديري، التحدي الأكثر حساسية يكمن في تدبير العلاقة بين السلطة الحكومية والهوية الحزبية. فتوزيع الحقائب قد ينهي مرحلة التفاوض حول تشكيل الحكومة، لكنه لا يحسم بالضرورة التنافس حول القرار العمومي أو الحضور السياسي لكل حزب. ولذلك ستكون قدرة رئاسة الحكومة على التنسيق والتحكيم، وربط المسؤوليات القطاعية بأهداف مشتركة، عاملاً حاسماً في الحفاظ على الانسجام التنفيذي. كما أن نجاح التحالف يقتضي قبول مكوناته بتحمل المسؤولية الجماعية عن القرارات الصعبة، وعدم تحويل الحكومة إلى مجال لتبادل المكاسب السياسية أو التنصل من كلفة الإصلاح.
على مستوى الخمس سنوات القادمة، قد يواجه هذا الائتلاف تفاوتاً بين ثلاثة إيقاعات تتحكم في الحياة العامة: إيقاع السياسة المرتبط بالاستحقاقات الانتخابية، وإيقاع الاقتصاد الذي تحكمه دورات الاستثمار والإنتاج، وإيقاع المجتمع الذي تتحدد انتظاراته وفق التحسن الفعلي في الدخل والشغل والخدمات. فالمواطن الذي ينتظر تحسناً في مستوى عيشه لا يقيس الزمن بالآجال نفسها التي تتطلبها المشاريع الاقتصادية الكبرى. وقد يتحول هذا التفاوت إلى مصدر ضغط سياسي إذا لم تنجح الحكومة في تحقيق نتائج اجتماعية محسوسة بالتوازي مع استمرار الإصلاحات الهيكلية.
إن الاختيارات الاستراتيجية الكبرى التي يقودها جلالة الملك محمد السادس وفرت للمغرب قاعدة مهمة من البنيات التحتية والشراكات الاقتصادية والقدرات المؤسساتية. وتتمثل مسؤولية الحكومة المقبلة في الرفع من مردودية هذه المكتسبات، وتوسيع انعكاساتها على الاقتصاد الوطني والمجالات الترابية والفئات الاجتماعية. فالمسألة اليوم تتعلق بقدرة السياسات العمومية على تحويل الاستثمار إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى فرص شغل، والشغل إلى مداخيل تسمح بتوسيع الطبقة الوسطى وتعزيز الثقة في المستقبل.
ومن تم فان التحدي الذي سيواجه الأحزاب الأربعة، يهتم الشرقاوي، فهو أن تثبت أن اختلاف تاريخها السياسي لا يمنعها من تحمل مسؤولية مشتركة تجاه مستقبل البلاد.


تعليقات
0