جريدة البديل السياسي -بقلم: حليمة صومعي
تبدو السياسة اليوم، في كثير من تجلياتها، أشبه برقعة شطرنج تُحرَّك فوقها القطع وفق حسابات دقيقة، وتُقاس فيها الخطوات بمدى تأثيرها في موازين القوة ومواقع الفاعلين.
غير أن هذه اللعبة السياسية لا تجري في فراغ، بل تنعكس نتائجها مباشرة على حياة المواطنين الذين ينتظرون حلولًا لمشكلات التشغيل والصحة والتعليم وغلاء المعيشة، ولا تعنيهم كثيرًا تفاصيل المناورات بقدر ما تعنيهم نتائج القرارات التي تُتخذ باسمهم.
لقد أصبحت الممارسة السياسية، أحيانًا، أقرب إلى مباراة تتقدم فيها التحالفات والمصالح على الالتزامات والبرامج.
تتحرك المواقف بحسب موازين القوة، وتتبدل التحالفات كما تتبدل مواقع القطع على الرقعة، بينما يظل المواطن في كثير من الأحيان خارج دائرة الاهتمام الفعلي، رغم أنه أساس الشرعية الانتخابية ومصدر الثقة التي تستمد منها المؤسسات المنتخبة مشروعيتها.
والأخطر أن استمرار هذا النهج يهدد الثقة في العمل السياسي برمته. فعندما تتحول المواقع إلى غاية، ويصبح إضعاف الخصم أهم من تحقيق النتائج، دون أن يلمس المواطن تحسنًا ملموسًا في حياته اليومية، يصبح من المشروع التساؤل عن جدوى هذه اللعبة السياسية. فالمسؤولية لا تُقاس بمهارة المناورة أو القدرة على تسجيل النقاط، بل بما يتحقق على أرض الواقع من إصلاحات ونتائج قابلة للتقييم والمحاسبة.
أما الحكومة، فهي مطالبة اليوم بتقديم حصيلة واضحة عن التزاماتها وقراراتها، وتفسير أسباب تعثر الإصلاحات أو تأخر المشاريع التي ينتظرها المواطنون.
فلا يكفي الإعلان عن البرامج وتعداد التدابير المتخذة، ما لم تنعكس آثارها على القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما أن مواجهة الانتقادات لا تكون بالمناورة أو بتبادل المسؤوليات، بل بتقديم المعطيات، وتوضيح الاختلالات، وتحمل المسؤولية عن القرارات والنتائج.
أما البرلمان، باعتباره مؤسسة للتشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية، فمسؤوليته لا تقل أهمية.
إذ لا ينبغي أن يتحول النقاش البرلماني إلى مجرد مباراة بين الأغلبية والمعارضة، أو إلى سجال تحكمه الحسابات الحزبية، بينما تنتظر الملفات الاجتماعية حلولًا ملموسة.
فالمطلوب رقابة جادة على عمل الحكومة، ومساءلة دقيقة حول تنفيذ الالتزامات، ومتابعة أثر القوانين والبرامج، حتى لا تبقى الأسئلة البرلمانية والتصريحات السياسية مجرد تحركات على رقعة إعلامية لا تغير شيئًا في الواقع.
ولا تعني هذه المساءلة التقليل من أهمية الاختلاف السياسي، بل التأكيد على أن الأغلبية مطالبة بتبرير اختياراتها وتحمل نتائجها، فيما تتحمل المعارضة مسؤولية تقديم البدائل وممارسة رقابة بناءة.
أما المواطن، فمن حقه أن يعرف ما تحقق، وما تعثر، ولماذا، ومن يتحمل مسؤولية ذلك، بعيدًا عن المزايدات وتبادل الاتهامات.
إن الخلل يبدأ حين تصبح المواقع السياسية هدفًا في حد ذاتها، وحين يُقاس النجاح بقدرة الفاعل على الحفاظ على موقعه أو إضعاف خصمه، بدل قياسه بمدى مساهمته في حل مشكلات المجتمع.
عندها تتراجع البرامج الجادة، وتُهمّش الكفاءات، وتتحول القضايا اليومية للمواطنين إلى أوراق تُحرَّك في صراع لا تنتهي جولاته.
السياسة ليست مجرد لعبة شطرنج أو صراع على النفوذ، بل مسؤولية تقتضي وضوح المواقف، واحترام الالتزامات، وربط المسؤولية بالمحاسبة. والحكومة ليست معفاة من تقديم حصيلتها، كما أن البرلمان ليس بمنأى عن تقييم أدائه الرقابي والتشريعي.
فكلاهما مطالب بإثبات أن العمل المؤسساتي قادر على إحداث تغيير ملموس، لا الاكتفاء بإدارة الخلافات وتدبير التوازنات.
في النهاية، لا يحتاج المواطن إلى مزيد من المناورات السياسية، بل إلى أجوبة واضحة عن أسئلة حياته اليومية: ماذا تحقق من الوعود؟
وما الذي لا يزال متعثرًا؟
ومن المسؤول عن التأخير أو الإخفاق؟
فحين تتقدم الحسابات السياسية على المصلحة العامة، لا يخسر طرف حزبي وحده، بل تتضرر الثقة في المؤسسات وتتسع المسافة بينها وبين المجتمع.
ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي أمام الحكومة والبرلمان ليس كسب جولات سياسية جديدة، بل تقديم حصيلة تقنع المواطنين بأن أصواتهم لم تكن مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة، وإنما تفويضًا لخدمة الصالح العام.


تعليقات
0