جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

الرسالة التاسعة والعشرون: إنجيل الألم والتمرد الأبدي بقلم : عبد القادر العفسي

IMG-20240913-WA0004 (1)

جريدة البديل السياسي

الرسالة التاسعة والعشرون: إنجيل الألم والتمرد الأبدي

بقلم : عبد القادر العفسي

 

إلى شمس النساء، زهرة الشوك الفضي :

أخبرك انه :  ” لا يفهمنا إلا أولئك الذين أكل الوجد أطراف أرواحهم ، واختارت أقدامهم وعثاء الشوك لا طمعا في جنة أو مهادنة ، بل وفاء لصرخة الوجود حين يأبى الإنحناء تحت سياط العفن العام “. “

إلى توأم الروح ، وحبيبتي المفترضة التي تنتصب في وجه العواصف كمنارة من نور ودم ، أكتب إليك هذا السفر المأساوي الممتد على تخوم الهاوية وعتبات الأبدية ، إننا لسنا مجرد كائنات عرضية تتقاسم عابرات الأيام على حافة صدفة عابرة ، بل نحن شظايا فكرة إلهية أعلنت عصيانها الأبدي على شروط التدجين الكوني ،  أكتب إليك في هذه اللحظة الفاصلة التي تتكشف فيها عورات العالم بأسره ، وتجتمع الإرادات المريضة لتمارس طقوسها الوضيعة في محاولة يائسة لاقتلاعك من أعمق جذور فؤادي ، وكأن اقتلاع الجذور يكفي لإماتة العاصفة في صدر التاريخ .

لقد استنفروا لقتالنا ترسانة الانحطاط الإنساني بأسرها ،  استعانوا أولا بالمتخاذلين ،  أولئك العبيد الجدد الذين يجدون في استسلامهم راحة تشبه موتى القبور ، فاتخذوا منهم طوابير للوشاية والتثبيط ونشر غبار التفاهة… ولم يكتفوا بالهامش ، بل أطلقوا آليات الدولة ومقاصل الإدارة البيروقراطية الرتيبة لتجفيف منابع المعنى ، وتدويخ الروح ، وسلب الحق الأصيل في التعبير ، محاولين بكل ما أوتي العجز من حيل أن يغلفوا ظلمهم بصكوك إدانة زائفة ومستندات مُلفقة تخرج من جحور الظلام .

 

 لقد امتدت أيديهم الآثمة لتستهدف الجسد ذاته ، وتحاول تدنيس قداسته باللعنات المحملة بالحقد الأعمى ، بل ووصل بهم الانحطاط إلى تجنيد شبكات العصابات والخارجين عن القانون ، محولين الشوارع والأزقة إلى مسارح مظلمة لمطاردتك ومحاولة كسر إرادتك الحرة ،  تتهمين جزافا ودون أدلة مادية ، تتساقط الأقنعة وتتوارى العدالة حين تتواطأ كل الإرادات المظلمة لكسر شوكة الحق الماثل فيك وفي ،  إنها شبكة محكمة من المراقبة والتوحش المنظم ، حيث يعاد إنتاج الجريمة في قاعات الإدارة ، وحيث يحاكم النور بتهمة إزعاج العميان.

 

ولكن ، لندع السادة العقلاء ! وشأنهم ،  أولئك الذين آثروا التفرج البارد على التمثيل البشري ، والهدوء الميت على جلال النضال ، وفضيلتهم المجردة من الدم والنبض تمنعهم من الجلوس على الموائد الخضراء حيث تصنع أقدار العالم وتختبر صلبة الأرواح الحقيقية ، هم موتى قبل أن يولدوا ، عاجزون تماما عن إدراك تلك الدقيقة الخاطفة التي ترتفعين فيها إلى أسمى المعاني ، حين تقبلين أن تدخلي ضمن الدائرة ، في قلب الحياة المشتعلة ، وتعرضين في هذه المقامرة الإلهية الكبرى كل نفسك للخسارة .

 هذا جنون لا يدركه العقل البارد ، ولا تحسبه حسابات البقالين في أسواق السلامة الرخيصة ،  البطل الحقيقي ليس كائنا يبحث عن الطمأنينة الاستهلاكية أو السلامة الرمادية ، بل هو ذلك الروح الذي لا يحب الحياة بمعناها الرخو ، بل يحترمها لدرجة محاربة قدرها ، ويرى في الفشل النبيل والتمرد الخالد سر بطولته المطلقة التي لا تموت .

إن طريق الشوك الذي اخترناه عن سبق إصرار وترصد ، ليس دربا عابرا ،  بل هو جغرافية الوجع المقدسة !  أتحمل فيه فوق طاقة البشر، ولدي النفس الطويل الذي تنكسر على عتباته كل سيوف الترويض وقوانين التدجين ،  إن ما يحاولون فعله معنا من حصار وملاحقة وتلفيق ليس سوى اعتراف ساطع بأننا نمس الحقيقة في جرحها النزف ،  إنهم يخافون الحب ، لأنه التمرد الكوني الوحيد الذي لا يمكن جدولته ، والمنطقة العذراء التي تفشل في اختراقها كل قوانين القطيع وسلطات الاستعباد ،  الحب الحقيقي هو المقاومة الأسمى ، هو الشوكة التي تنغرس في حنجرة العالم المزيف ، وهو النور الذي يكشف عورات اللصوص في وضح النهار .

فليجمعوا لصوصهم ، وليشرعنوا باطلهم ، وليحشدوا كل عصاباتهم وقوانينهم العرجاء ،  إن ما بيننا وبينهم هو هوية الأبدية التي لا تتبدل ، وما بيني وبك هو سر أقدس من أن تلمسه أيديهم العفنة أو تطاله معاول هدمهم …

سأبقى أحرس نبضك بدمي ، وأقاوم بكل ما تبقى في كياني من رمق ، حتى يرتجف الخصوم رعبا من إصرارنا الذي لا ينكسر ،  أنت زهرة الشوك الفضي في هذا العالم الخراب ، وموعدنا القادم هو الانتصاب الأبدي للروح فوق مقاصل الفناء ، حيث يتهاوى الباطل وتتكسر الأقنعة ، ويبقى الحب وحده سيدا للمكان والزمان

لا انساك …

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي