جريدة البديل السياسي |سـياسـيات

كلمة وفاء في حق المناضل الراحل أحمد الباروزي. من أجل الذاكرة الناظورية.

758841278_991856547186500_7176210142520322511_n

جريدة البديل السياسي – بقلم الأستاذ جمال الغازي

كلمة وفاء في حق المناضل الراحل أحمد الباروزي. من أجل الذاكرة الناظورية.

 

هناك رجال يرحلون بأجسادهم، لكنهم يظلون أحياء في ذاكرة المدن ووجدان الأجيال، لأنهم تركوا أثرا لا تمحوه السنوات. ومن بين هذه الوجوه النضالية التي طبعت تاريخ الناظور السياسي والنقابي، يبرز اسم المناضل الراحل أحمد الباروزي، أحد أبناء الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، الذي كان صوته الجهوري وحضوره القوي جزءا من ذاكرة مرحلة كاملة، عنوانها النضال والدفاع عن الكرامة والحرية.

ما زلت أستحضر تلك السنوات، وأنا في بداية مرحلة الشباب، كلما مررت بذلك المقر القديم الذي كان يحتضن في الوقت نفسه الاتحاد الاشتراكي والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، في العمارة التي كانت تضم أيضا جمعية زرياب، خلف سيني نريف بمدينة الناظور. كان المكان يعج بالناس، وتتعالى فيه الشعارات، وتختلط فيه السياسة بالنقابة، والفكر بالفعل الميداني. ولم يكن ذلك الفضاء مجرد مقر حزبي أو نقابي، بل كان مدرسة حقيقية للتكوين السياسي والثقافي، ومقصدا للشباب المتعلم الباحث عن الوعي والمعرفة والانخراط في قضايا الوطن.

في ذلك الزمن، كان أحمد الباروزي واحدا من أبرز الخطباء الذين عرفتهم الساحة الناظورية. كان إذا اعتلى المنصة في حملات الانتخابات أو خلال احتفالات فاتح ماي، اهتزت القاعة بصوته، واستحوذ على انتباه الحاضرين بأسلوبه القوي، وقدرته الفريدة على مخاطبة الجماهير وتحفيزها. لم يكن يكتفي بالشعارات، بل كان يفتح الملفات الصعبة، ويتناول القضايا الحساسة بجرأة نادرة، في مرحلة لم يكن فيها قول الحقيقة أمرا سهلا، بل كان يكلف أصحابه الكثير.

ولم يكن تأثيره ناتجا فقط عن قوة صوته، بل عن قوة قناعته وإيمانه بما يدافع عنه. كان اشتراكيا بالمعنى الحقيقي للكلمة، ومناضلا شرسا لا يساوم في المبادئ، ومثقفا ورجل تعليم، حمل هموم الناس وجعل منها محور نضاله اليومي.

وقد كتب أحد رفاق دربه شهادة مؤثرة في حقه، استعاد فيها جانبا من تلك المرحلة الصعبة التي عاشها المغرب خلال سنوات الرصاص، حيث كان القمع والاعتقالات وتلفيق التهم جزءا من المشهد السياسي. واستحضر كيف ظل أحمد الباروزي صامدا رغم ما تعرض له من مضايقات واعتقالات، وكيف واجه المخاطر بشجاعة نادرة، ومن بينها حادثة كادت تودي بحياته أثناء تدخل القوات العمومية لتفريق إحدى الوقفات النقابية، لولا تدخل أحد رفاقه في اللحظة الأخيرة. وهي شهادة تؤكد أن الرجل لم يكن مجرد خطيب مفوه، بل كان مناضلا يدفع ثمن مواقفه من حريته وسلامته.

لقد كان ذلك الحي، الذي احتضن أيضا مقر حزب الاستقلال ونقابته، فضاء سياسيا نابضا بالحياة، تتجاور فيه التيارات، وتتنافس فيه الأفكار، ويتخرج منه العديد من الشباب الذين وجدوا في العمل الحزبي والنقابي مدرسة للتكوين والمواطنة. لذلك، فإن الحديث عن أحمد الباروزي هو في الوقت نفسه حديث عن جزء مهم من تاريخ الناظور، وعن مرحلة لا ينبغي أن تغيب عن الذاكرة الجماعية.

اليوم، ونحن على أبواب استحقاقات انتخابية جديدة، لا يسعني إلا أن أتذكر خطابات أحمد الباروزي، وأتساءل: كم نحن في حاجة إلى رجال ونساء يمتلكون مثل تلك الكاريزما، والقدرة على الإقناع، والجرأة في قول الحقيقة، والالتزام الصادق بقضايا المواطنين. فالخطابة ليست مجرد كلمات تلقى على المنصات، وإنما هي صدق في الموقف، وثقافة، وشجاعة، وإيمان برسالة العمل السياسي.

إن استحضار سيرة الراحل أحمد الباروزي ليس من باب الحنين إلى الماضي فقط، بل هو وفاء لذاكرة مناضل ترك بصمة لا تزال حاضرة في نفوس كل من عرفه أو استمع إليه أو عايش تلك المرحلة. فالمدن التي تنسى رجالها تفقد جزءا من هويتها، أما المدن التي تحفظ أسماء مناضليها فإنها تحفظ تاريخها وتصون ذاكرتها.

رحم الله المناضل أحمد الباروزي رحمة واسعة و اطال الله عمر رفيقه سي عبد القادر طلحة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدمه من تضحيات في سبيل الدفاع عن الوطن وعن القيم التي آمن بها. وسيظل اسمه واحدا من الأسماء التي تستحق أن تروى للأجيال، لأن التاريخ لا يصنعه المتفرجون، وإنما يصنعه الرجال الذين يؤمنون بقضاياهم ويدفعون ثمن مواقفهم بكل شجاعة.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي