جريدة البديل السياسي
حين كانت للكراسي هيبة… وللكلمة هامات
بقلم لبنى الصغيري
كان البرلمان المغربي، ذات زمن، أكثر من قبةٍ تعلوها الأعلام، وأكثر من كراسٍ يتعاقب عليها المنتخبون؛ كان فضاءً تتصارع فيه الأفكار، وتتصافح فيه الحجج، وترتفع فيه الكلمة حتى تصبح موقفاً، ويغدو النقاش شاهداً على حيوية السياسة ونبض المجتمع.
لم تكن قيمته في فخامة جدرانه، بل في هاماتٍ عبرت من بوابته، وتركت في ذاكرة الوطن أثراً لا تمحوه السنوات؛ من علي يعته إلى عبد الرحيم بوعبيد، وأسماء أخرى جعلت من الفصاحة مسؤولية، ومن الاختلاف مدرسة، ومن المعارضة صوتاً لا يخشى أن يقول ما يجب أن يُقال.
كان المغرب، بإمكاناته المحدودة آنذاك، يزخر بنقاشات تثبت أن قيمة المؤسسات لا تُقاس بما تملكه من امتيازات، بل بما تحتضنه من أفكار، وما تصونه من كرامة، وما تفتحه من نوافذ للأمل.
أما اليوم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس حنيناً إلى الماضي بقدر ما هو قلقٌ على الحاضر: ماذا بقي من تلك الهيبة؟ وأين اختفت حرارة النقاش الذي كان يجعل من الجلسة البرلمانية موعداً مع السياسة، لا مجرد عبور روتيني تحت الأضواء، ولا فضاءً للفرجة الشعبوية والمزايدات البخيسة؟

لا يتعلق الأمر بتعميم الأحكام على جميع البرلمانيين، ولا بإنكار ما يُبذل من جهود، بل بالتساؤل عن مشهدٍ باتت فيه بعض اللحظات أقرب إلى استعراض عابر منها إلى مواجهة مسؤولة مع قضايا الناس، فيما يواصل المواطن مطاردة لقمة العيش، وينتظر من ممثليه أن يحملوا صوته إلى حيث تُصنع القرارات.
فالبرلمان ليس مقاعد تُملأ، ولا خطابات تُستهلك، ولا امتيازات تُحصى؛ إنه أمانة ثقيلة، ومرآة لنبض المجتمع، ومساحة يجب أن يجد فيها المواطن صدى معاناته، لا صدى صوته وحده.
المؤسسات لا تفقد هيبتها حين تتقادم جدرانها، بل حين تتراجع قيمة الكلمة وسجعها تحت قبتها، وحين يخفت وهج الحجة، ويغيب بريق البلاغة، ويتحول الاختلاف من قوة اقتراح إلى مجرد ضجيج وصخب.
والتاريخ لا يحفظ عدد الجالسين على الكراسي، بقدر ما يحفظ من امتلكوا شجاعة الموقف، ونبل الاختلاف، وصدق الدفاع عن الناس.
رحم الله زمناً كانت فيه للكلمة أجنحة، وللمعارضة معنى، وللبرلمان رجالات، بل هامات، تعرف أن المقعد عابر، وأن أثر المواقف هو ما يبقى.
وهكذا هي المواقف الصادقة؛ قد تمرّ في صمت، لكنها تترك في ذاكرة الأوطان أثراً لا تمحوه الأيام.


تعليقات
0