جريدة البديل السياسي
تجد رئيسة الحكومة المعينة فاطمة الزهراء المنصوري أمام اختبار مؤسساتي ومالي بالغ الحساسية، مع اقتراب موعد 20 أكتوبر 2026، وهو الأجل الأقصى المحدد قانوناً لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027 لدى مكتب مجلس النواب.
وبالنظر إلى ضيق الفترة الفاصلة بين تشكيل الحكومة الجديدة وبين هذا الموعد، فإن السلطة التنفيذية المقبلة مطالبة بتدبير مسار سياسي ودستوري ومالي متزامن، في وقت لم يبدأ فيه المشروع من نقطة الصفر، بعدما سبق للحكومة المنتهية ولايتها أن شرعت في إعداده وفق البرمجة والتوجهات المالية المحددة للسنة المقبلة.
20 أكتوبر.. موعد لا ينتظر اكتمال الحسابات السياسية
المادة 48 من القانون التنظيمي رقم 130.13 المتعلق بقانون المالية تحدد يوم 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية كأقصى أجل لإيداع مشروع قانون المالية للسنة الموالية لدى مكتب مجلس النواب، مرفقاً بالوثائق والتقارير المطلوبة. كما يؤكد النظام الداخلي لمجلس النواب هذا الأجل صراحة في مادته 216.
وبالتالي، فإن اكتمال تشكيل الحكومة أو استمرار المفاوضات السياسية لا يمكن أن يوقف الساعة القانونية المتعلقة بمشروع مالية 2027.
وهنا تكمن المفارقة: الحكومة الجديدة مطالبة بتقديم مشروع مالية يعكس أولوياتها السياسية، في وقت أن جزءاً مهماً من مسار إعداد المشروع تم في عهد الحكومة السابقة.
من التعيين الملكي إلى التنصيب البرلماني
أولى المحطات تتمثل في استكمال التعيين الملكي لأعضاء الحكومة، قبل الانتقال إلى المحطة الدستورية المرتبطة بتنصيبها.
فالفصل 88 من الدستور ينص على أنه بعد تعيين الملك لأعضاء الحكومة، يتقدم رئيس الحكومة أمام مجلسي البرلمان مجتمعين لعرض البرنامج الذي تعتزم الحكومة تطبيقه، قبل أن يخضع البرنامج للمناقشة والتصويت بمجلس النواب. وتعتبر الحكومة منصبة بعد حصولها على ثقة المجلس بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم.
وهذا يعني أن الحكومة الجديدة لا تواجه فقط تحدي تشكيل تركيبتها، بل عليها في فترة زمنية وجيزة الانتقال إلى بلورة برنامج حكومي يمكن أن يشكل المرجعية السياسية لأول قانون مالية في ولايتها.
من التصريح الحكومي إلى الأرقام والاعتمادات
المحطة الأصعب تبدأ عندما ينتقل النقاش من الشعارات والالتزامات السياسية إلى الأرقام والموارد والنفقات والاختيارات الضريبية والاستثمارية.
فمشروع قانون المالية ليس مجرد وثيقة سياسية، وإنما هو الأداة التي تترجم الأولويات الحكومية إلى اعتمادات وموارد وتدابير مالية واقتصادية.
وتُظهر المسطرة الرسمية أن إعداد قانون المالية يتم على أساس برمجة ميزانياتية لثلاث سنوات، وأن مساره يبدأ قبل أشهر من موعد الإيداع، إذ تقدم الحكومة الإطار العام والبرمجة المتعلقة بالموارد والتكاليف، قبل الوصول إلى مرحلة الإيداع البرلماني في 20 أكتوبر.
كما أن وزارة الاقتصاد والمالية نشرت بالفعل المذكرة التوجيهية لإعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 بتاريخ 12 غشت 2026، ما يؤكد أن المشروع كان يخضع لمسار إعداد قبل تشكيل الحكومة الجديدة.
وبالتالي، فإن الرهان المطروح أمام الحكومة الجديدة ليس إعداد المشروع من الصفر خلال أيام، وإنما إعادة ضبط الخيارات السياسية والاقتصادية للمشروع الجاهز أو المتقدم في الإعداد، بما ينسجم مع البرنامج الحكومي الجديد.
مجلس الحكومة.. محطة دستورية إلزامية
الفصل 92 من الدستور يمنح مجلس الحكومة، تحت رئاسة رئيس الحكومة، اختصاص التداول في مشاريع القوانين، ومن بينها مشروع قانون المالية، قبل إيداعه لدى مكتب مجلس النواب، مع مراعاة مقتضيات الفصل 49.
وهذا يجعل انعقاد مجلس الحكومة والمصادقة على مشروع قانون المالية محطة أساسية قبل إحالته إلى المؤسسة التشريعية.
غير أن مشروع مالية 2027 سيكون مطالباً كذلك بمراعاة التوجهات العامة التي تم اعتمادها في المسار السابق، مع إمكانية إدخال الاختيارات التي ستعكسها الحكومة الجديدة، بحسب ما ستقرره مؤسساتها المختصة.
المجلس الوزاري.. التوجهات العامة أمام الملك
قبل وصول المشروع إلى البرلمان، تبرز محطة المجلس الوزاري، الذي يترأسه الملك.
وينص الفصل 49 من الدستور على تداول المجلس الوزاري في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، وهي محطة تعطي للميزانية إطارها الاستراتيجي العام قبل المرور إلى المسطرة الحكومية والبرلمانية. ويؤكد الموقع الرسمي للأمانة العامة للحكومة أن التوجهات العامة لمشروع قانون المالية تدخل ضمن القضايا التي يتداول فيها المجلس الوزاري.
وبذلك، فإن الطريق إلى مكتب مجلس النواب يمر عبر سلسلة من المحطات الدستورية والمؤسساتية، وليس مجرد قرار إداري بإيداع وثيقة مالية.
والوقت لا يسمح بإعادة كتابة المشروع من الصفر
المعطى الأكثر أهمية في هذه المعادلة أن مشروع مالية 2027 سبق أن دخل فعلياً في مسار الإعداد قبل الانتخابات التشريعية وتشكيل الحكومة الجديدة.
وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الحكومة المنتهية ولايتها كانت قد أعدت الإطار العام والبرمجة المرتبطة بالمشروع، فيما يتعين على الحكومة الجديدة التعامل مع هذا الإرث في وقت قصير جداً.
وهنا سيبرز الاختبار السياسي الحقيقي: إلى أي حد ستكتفي الحكومة الجديدة بتعديلات محدودة على مشروع جاهز، وإلى أي حد ستسعى إلى إدخال أولوياتها الانتخابية والسياسية ضمن مالية 2027؟
فأي تعديل في النفقات أو الضرائب أو الاستثمار أو الدعم أو البرامج الاجتماعية ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات المشروع، وعلى توقعات الموارد والتكاليف والعجز.
بعد 20 أكتوبر.. يبدأ سباق البرلمان
إيداع المشروع يوم 20 أكتوبر لن يكون نهاية التحدي، بل بداية مرحلة تشريعية مكثفة.
فمجلس النواب يملك، وفق المادة 49 من القانون التنظيمي لقانون المالية، 30 يوماً للبت في مشروع قانون المالية، قبل انتقاله إلى مجلس المستشارين الذي يتوفر على أجل 22 يوماً، ثم يعود النص إلى مجلس النواب للبت النهائي في التعديلات وفق الآجال القانونية.
وهذا يفسر لماذا تحرص المنظومة القانونية على احترام موعد 20 أكتوبر، حتى يتوفر البرلمان على الوقت اللازم لمناقشة المشروع والمصادقة عليه قبل نهاية السنة.
تحدٍ مزدوج: تشكيل الحكومة وصناعة أول ميزانية
وهكذا، تجد رئيسة الحكومة المعينة نفسها أمام ساعة سياسية وساعة مالية تعملان في الوقت نفسه.
فمن جهة، هناك حكومة ينبغي استكمال تشكيلها وتقديم برنامجها ونيل ثقة مجلس النواب.
ومن جهة ثانية، هناك مشروع قانون مالية 2027 ينتظر الحسم في توجهاته النهائية، والتداول بشأنه داخل مجلس الحكومة، وعرض توجهاته العامة في المجلس الوزاري، قبل إيداعه لدى مكتب مجلس النواب في الموعد القانوني.
وبين تشكيل الحكومة، وإعداد التصريح الحكومي، وترجمة الأولويات السياسية إلى أرقام واعتمادات، واحترام المساطر الدستورية، فإن الحكومة الجديدة لا تملك الكثير من الوقت.


تعليقات
0