جريدة البديل السياسي – نورالدين عمار.
في السياسة، هناك رجال يمرّون مرور الكرام داخل المؤسسات، وهناك من يتركون أثرًا يصعب تجاهله.
وخلال الولاية التشريعية الحالية، لم يكن اسم مولاي المهدي الفاطمي مجرد رقم عابر داخل مجلس النواب، بل تحوّل إلى واحد من أكثر الأصوات حضورًا وإزعاجًا للوزراء، في وقت اختار فيه كثيرون الاختباء خلف الصور البروتوكولية والبلاغات المناسبة.
الرجل لم يدخل البرلمان من أجل الواجهة أو الاستعراض الإعلامي، بل دخل محمّلًا بملفات ثقيلة وأسئلة محرجة، واضعًا قضايا ساكنة الجديدة ودكالة فوق طاولة الحكومة بشكل متواصل. وبينما ظل عدد من برلمانيي الجديدة وسيدي بنور غارقين في صمت سياسي أثار استياء الشارع، كان مولاي المهدي الفاطمي يتحرك داخل المؤسسة التشريعية بإيقاع مختلف، يلاحق الملفات، ويضغط عبر آلية الأسئلة البرلمانية، ويحوّل معاناة المواطنين إلى ملفات رسمية داخل قبة البرلمان.
الأرقام هنا لا تحتاج إلى تعليق طويل، لأنها وحدها تكشف حجم الفارق بين من يشتغل ومن يكتفي بالحضور المناسباتي.
فإلى حدود أواخر سنة 2024، تمكن الفاطمي من تسجيل 679 سؤالًا برلمانيًا، منها 206 أسئلة شفوية و473 سؤالًا كتابيًا، وهي حصيلة جعلته ضمن أكثر النواب نشاطًا على المستوى الوطني، وليس فقط داخل جهة الدار البيضاء ـ سطات.
أرقام بهذا الحجم لم تأتِ من فراغ، بل من حضور يومي ومتابعة دقيقة وترافع مستمر حول قضايا الصحة والماء والبنيات التحتية والشباب والرياضة والتشغيل والتدبير المحلي.
وفي مقابل هذا الحضور القوي، بدأ سؤال محرج يتردد بقوة داخل الشارع الدكالي: أين كان الآخرون؟
وأين اختفى من قدموا أنفسهم كمدافعين عن مصالح الساكنة خلال الحملات الانتخابية؟ فالمواطن الذي يتابع النقاش العمومي لم يعد يقتنع بالصور الجماعية واللقاءات الموسمية، بل أصبح يبحث عن الأثر الحقيقي داخل البرلمان، وعن المنتخب الذي يستطيع أن يزعج الحكومة ويفرض ملفات الإقليم داخل دواليب القرار.
مولاي المهدي الفاطمي لم يسقط بالمظلة على السياسة، ولم تصنعه الصدفة. الرجل راكم تجربة ميدانية مهمة من خلال رئاسته لجماعة مولاي عبد الله أمغار، كما راكم تجربة مهنية كصيدلاني قريب من هموم الناس اليومية، وهو ما منحه احتكاكًا مباشرًا بمشاكل المواطنين الحقيقية، بعيدًا عن السياسة المعزولة داخل المكاتب المكيفة. لذلك جاءت تدخلاته البرلمانية محمّلة بلغة الشارع وهموم الأسر البسيطة، لا بلغة الخشب التي اعتاد عليها المغاربة في خطابات كثير من المنتخبين.
وعندما كان البعض منشغلًا بحسابات ضيقة وصراعات انتخابية صغيرة، كان الفاطمي يفتح ملفات حساسة ومزعجة، من بينها تدهور الوضع الصحي بالجديدة، الخصاص المهول في الأطر الطبية، أزمة الماء، هشاشة البنيات التحتية، مشاكل الشباب والرياضة، إضافة إلى اختلالات التدبير المحلي التي ظلت لسنوات موضوع شكاوى متكررة من الساكنة.
هذا الحضور المتواصل لم يمر دون أن يلفت الانتباه داخل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، حيث تمكن الرجل من تعزيز موقعه السياسي والتنظيمي، وتم تجديد الثقة فيه عضوًا بالمكتب السياسي للحزب، في إشارة واضحة إلى أن حضوره لم يعد مرتبطًا فقط بالتمثيلية المحلية، بل أصبح جزءًا من معادلات سياسية أوسع داخل الحزب.
اليوم، ومع تصاعد حالة الغضب الشعبي من الأداء الباهت لعدد من المنتخبين، يبدو أن تجربة مولاي المهدي الفاطمي بدأت تفرض نفسها كنموذج مختلف داخل المشهد السياسي بدكالة.
فالرجل نجح في الجمع بين الحضور الميداني والفعالية البرلمانية والاستمرارية السياسية، في وقت أصبح فيه كثير من السياسيين أسرى للشعارات الفارغة والظهور الموسمي.
لقد فهم الشارع رسالة بسيطة لكنها عميقة: البرلماني الحقيقي ليس من يملأ مواقع التواصل الاجتماعي ضجيجًا وصورًا، بل من يملأ البرلمان أسئلة وضغطًا ومساءلة دفاعًا عن المواطنين. وفي زمن اختلطت فيه السياسة بالفرجة، اختار مولاي المهدي الفاطمي أن يشتغل بصمت داخل المؤسسة، تاركًا للأرقام أن تتحدث نيابة عنه.


تعليقات
0