جريدة البديل السياسي – نورالدين عمار.
في إقليم سيدي بنور، لم يعد المشهد السياسي يثير الدهشة بقدر ما يثير الغضب والسخرية. فالأسماء نفسها التي ظلت لعقود تتصدر المشهد، وتتنقل بين المنابر والوعود والخطابات الرنانة، عادت اليوم لتكتب فصلًا جديدًا من مسرحية سياسية قديمة، عنوانها: “أعداء الأمس… حلفاء المصالح اليوم”.
السياسيان اللذان تحولا لسنوات إلى خصمين شرسين، وتبادلا الاتهامات والإهانات على المباشر أمام الرأي العام، لم يترددا في رمي بعضهما بأوصاف مستفزة هزّت الشارع المحلي. أحدهما وصف الآخر بـ”الفراقشي”، والثاني رد بنعته بـ”مول الشكلاط”، في مشهد اعتقد معه المواطن البسيط أن الصراع بين الرجلين صراع مبادئ ومواقف، وأن كل طرف يدافع عن “مصلحة الساكنة” كما كان يردد أمام الكاميرات.
لكن مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، سقط القناع سريعًا، واختفت لغة التخوين والتشهير، لتحل محلها لغة المصافحة والابتسامات واللقاءات الودية. فجأة أصبح الخصمان يتحدثان عن “التوافق” و”المصلحة العليا”، وكأن سنوات الصراع لم تكن سوى عرض مسرحي انتهى بانتهاء موسمه.
الشارع في سيدي بنور لا يرى في هذه المصالحة أي بطولة سياسية، بل يعتبرها تحالفًا مفضوحًا لحماية الكراسي والمصالح الشخصية. فالرجلان، اللذان عمّرا طويلًا تحت قبة البرلمان، لم يقدما — بحسب أصوات كثيرة داخل الإقليم — حصيلة توازي سنوات وجودهما في مراكز القرار. لا مشاريع كبرى غيّرت وجه المنطقة، ولا نهضة اقتصادية أوقفت نزيف البطالة والهجرة، ولا برامج تنموية أعادت الأمل لشباب يعيش على هامش الانتظار.
سنوات طويلة مرت، والإقليم ما يزال يئن تحت وطأة التهميش، طرق مهترئة، فرص شغل شبه منعدمة، وضع اقتصادي هش، وشباب يطارد حلم الهجرة أكثر مما يطارد حلم النجاح داخل مدينته.
أما السياسيون، فكانوا منشغلين بمعارك التصريحات وتقاسم النفوذ وإعادة ترتيب التحالفات كلما اقترب موعد الانتخابات.
الأخطر في كل هذا، أن المواطن أصبح يشعر بأن السياسة تحولت إلى تجارة موسمية، يظهر فيها نفس الوجوه مع كل استحقاق، بنفس الشعارات، ونفس الوعود التي تُستهلك ثم تُرمى في أرشيف النسيان مباشرة بعد انتهاء التصويت.
واليوم، حين اجتمع “الفراقشي” و”مول الشكلاط” تحت سقف واحد، فهم كثيرون الرسالة جيدًا: لا عداوات حقيقية داخل عالم المصالح، بل أدوار يتم توزيعها بعناية، تنتهي بمجرد أن تصبح المقاعد مهددة. داخل المقاهي والأسواق والأحياء الشعبية، يتردد سؤال واحد بنبرة ساخرة وغاضبة: ماذا قدم هؤلاء لـ سيدي بنور غير الصراعات الفارغة والخطابات الموسمية؟ وأين كانت “المصلحة العامة” حين كانت المنطقة تغرق في مشاكلها اليومية دون حلول حقيقية؟ اليوم، لم تعد المصالحة بين الرجلين تُقرأ كخطوة سياسية ناضجة، بل كإعلان واضح عن تحالف انتخابي هدفه الأول الحفاظ على المواقع والنفوذ، ولو على حساب ذاكرة المواطنين الذين تابعوا فصول العداء العنيف بينهما على المباشر.
فحين تختفي المبادئ بسرعة، وتذوب الخصومات فجأة أمام إغراء الكراسي، يصبح السؤال عن أخلاق العمل السياسي مشروعًا أكثر من أي وقت مضى.
وفي النهاية، يبقى الخاسر الأكبر هو المواطن البسيط، الذي يُطلب منه في كل مرة أن يصدق الوعود نفسها، وأن منح ثقته لوجوه استهلكها الزمن السياسي، دون أن يرى أثرًا حقيقيًا لذلك على واقعه اليومي. أما التحالفات، فتتغير بتغير المصالح، فيما تبقى معاناة الإقليم ثابتة لا تتغير.


تعليقات
0