جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

حكاية امرأة من وراء الجدران” (قصة قصيرة) بقلم المبدع المتميز محمد بنداحة

767762842_27717550637884012_4979534183156823494_n

جريدة البديل السياسي 

حكاية امرأة من وراء الجدران” (قصة قصيرة)

بقلم المبدع المتميز محمد بنداحة

كانت ليلى تعيش في حي شعبي وسط المدينة، حيث كانت الشوارع الضيقة والمنازل القديمة تشهد قصصًا من الصمت والألم. كانت حياتها تجري في روتين دائم، لا يتغير سوى الوجوه التي تمر من أمام باب منزلها، وعيون الناس التي لا ترحم. لم تكن ليلى بطلة في قصتها الخاصة، بل كانت مجرد وجه آخر في حكاية نساء كثيرات يُغلقن خلف الأبواب المغلقة، أو يُنظَر إليهن بنظراتٍ مشبعة بالحكم المسبق.

منذ صغرها، تعلمت ليلى أن المرأة في مجتمعها يجب أن تتحمل الكثير. تحملت نظرات الناس التي تُشعرها بأنها غير كافية، وأنها جزء من شيء يجب أن يتم التحكم فيه. كانت هناك تلك النظرة الخاطئة التي تلاحق النساء، وهي نظرة تضعهن دائمًا في مرتبة أدنى، وكأنهن مجرد أكوام من اللحم والدم لا قيمة لها إلا من خلال جسدهن.

ولكن ما كان يثير في نفسها أكثر الحزن هو المواقف اليومية التي كانت تعيشها. في سوق الخضار، كان الرجال يتحدثون عن النساء وكأنهن سلع تُباع وتُشترى. كان الحديث عنها في المجالس لا يختلف عن الحديث عن القماش أو الخضروات، وكان البعض يرى أن للمرأة دورًا واحدًا فقط: أن تكون في خدمة الرجل، سواء في البيت أو خارجه. في نظر البعض، كانت النساء لا يستحققن الفرص أو الحقوق، بل كان عليهن أن يرضين بالقليل، حتى وإن كان ذلك يعني الاستسلام لظروف الحياة.

مرت الأيام، وبدأت ليلى تجد نفسها في مواجهة الواقع المظلم. في العمل، كان رئيسها في الوظيفة الصغيرة التي كانت تشغلها يتعامل معها على أنها مجرد جسم للعمل، وليس عقلًا يملك القدرة على الإبداع. كان يرسل إليها إشارات تحقيرية، يتلمس جسدها بشكل غير لائق، ويتحدث معها بأسلوب متعالٍ، وكأنها مجرد قطعة من اللحم يجب أن تطيع رغباته. كان يظن أن النساء يرضين بهذه المعاملة، أو ربما لا يملكن القوة ليعبرن عن اعتراضهن.

في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تجلس في مكتبها، دخل رئيسها وأغلق الباب خلفه. اقترب منها مبتسمًا، وقال بنبرة خبيثة: “أنتِ جميلة جدًا، أليس كذلك؟ لكن هناك الكثير من النساء مثلك، ولا أظن أنك تملكين خيارًا سوى الاستجابة لما أطلبه منك.” كان صوتها يرتجف، لكنها كانت قد اعتادت على تلك الكلمات التي اعتبرت أنها جزء من حياتها اليومية.

عادت ليلى إلى منزلها تلك الليلة، وقد امتلأت عيونها بالدموع. لكنها لم تكن تبكي على نفسها فقط، بل على ملايين النساء اللواتي لا يملكن القوة للحديث أو الاعتراض، على أولئك اللواتي يعشن تحت تهديد العادات والتقاليد التي تُجبرهن على السكوت.

ومع مرور الوقت، قررت ليلى أن شيئًا ما يجب أن يتغير. لم تستطع أن تستمر في العيش في هذا الظلام. فتحت قلبها للحديث مع صديقاتها عن المعاناة التي تعرضت لها، وتعرفت على أخريات مثلهن، يعشن نفس القصة في صمتٍ مُطبق. أصبحت ليلى صوتًا في مجتمعات النساء اللواتي خُذلن في صمتهن.

مرت الأيام، وبدأت ليلى تجد نفسها غارقة أكثر في مستنقع من اللامبالاة والاستغلال. كانت الأضواء في عالمها تتضاءل شيئًا فشيئًا ، وكل يوم كان يمر على شكل جرح جديد في روحها في العمل، كان رئيسها يستمر في تحرشاته، يتعامل معها كأنها ملكية خاصة له، ويدفعها إلى حدود لم تكن تستطيع تحملها. كانت تعرف أنها ليست الوحيدة، لكن صمت الآخرين كان يؤلمها أكثر من سلوكه، لأن الجميع كانوا يخشون التحدث عن الظلم الذي كان يسودهم جميعًا.

لكن ليلى، على الرغم من كل شيء، حاولت أن تضع حدًا لتلك المعاملة اللاإنسانية. تقدمت عدة مرات بشكاوى إلى إدارة الشركة لكن كل مرة كان يُقال لها “إن الموضوع ليس بالجدية التي تستحق الاهتمام”، وأنها “قد تكون مجرد سوء فهم”. كانت الكلمات تلتف حول رأسها ،كالعواصف، ولكن لم يكن أمامها من خيار سوى البقاء صامتة. طالما كانت تعاني، طالما كانت تُسحق تحت وطأة نظرة المجتمع الظالمة لها، لكنها تعلمت أن عذرها الوحيد كان الهروب إلى الزمان والمكان الذين لايشعر فيهما أحد بما تعانيه.

ثم جاء اليوم الذي تفجرت فيه مشاعرها. كان رئيسها قد اقتحم مكتبها مساء ذلك اليوم الذي اضطرت فيه للبقاء مابعد الموعد المعتاد للخروج بسبب العمل الذي طلبه منها رئيسها، وبدأ حديثه المذل كالمعتاد، بينما كانت عيونها مشتعلة بالغضب والخوف. اقترب منها وقال: “لم تنته بعد؟ يظهر أنك لاتصلحين لشيء إلا لـ…”، ثم أمسك بذراعها برفق، فنهضت من كرسيها ورجعت خطوة إلى الوراء والدم يغلي في عروقها، وكل شيء يتهاوى بين أعينها. اقترب منها وهو يقول: “لا أريد لك إلا الخير” محاولا لمس وجنتها المشتعلة نارا. شعرت وكأن جدران المكتب تغلق عليها، وكأن تلك الأسوار التي كانت تحيط بها طوال حياتها قد امتدت إلى داخل قلبها وعقلها. لم يكن هناك سوى صوتها الداخلي الذي كان يصرخ: “أين حقي؟ أين إنسانيتي؟” فما كانت إلا ضربة قوية من ركبتها على المكان “الذي تسكن فيه روحه”، التوى أمامها فدفعته بكلتا يديها بقوة الغضب المشتعل فيها، حتى ارتطم رأسه مع زاوية المكتب الخشبي. سقط رئيسها على الأرض، وعيناه فارغتان.

ركضت إلى الخارج، تجري في شوارع المدينة بإحساس لم تذقه من قبل، تستنشق الهواء كما لم تعهده من قبل

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي