جريدة البديل السياسي |البديل الثقافي

جمعية ثاويزا آيت شيشار و مجلس جماعة بني شيكر يراسلان وزارة الثقافة

1000220901

جريدة البديل السياسي – كمال سليماني

بمناسبة شهر التراث و إستجابتا لطلب قدمته جمعية ثاويزا آيت شيشار في إطار الإتفاقية الشراكة مع جماعة آيت شيشار و في إطار التقييم الميداني المشترك لأهم المعالم التراثية و المواقع التاريخية بالمنطقة من أجل حمايتها و التعريف بها و صيانة ذاكرتنا التاريخية و الجماعية، تفضل المجلس الجماعي لجماعة آيت شيشار بتاريخ 05 ماي 2026 إدراج ضمن النقطة الرابع من جدول أعمال دورة ماي العادية، توجيه طلب إلى وزارة الشباب و الثقافة و التواصل لإدراج الموقع الأثري إغساسن (غساسة) ضمن التراث المادي الوطني.

بعد العرض القيم الذي قدم به السيد شعيب أحنين بصيفته رئيس مجلس جماعة بني شيكر بصوت و صورة لتنوير الحاضرين الكرام و الرأي العام حول الموقع الأثري إغساسن من حيث التحديد الجغرافي لهذا الموقع التاريخي و وضعيته الحالية و الأهميته التراثية و التاريخية و ضرورة حمايته و إنقاذ ما يمكن إنقاذه بعد قرون من الإهمال.

تالته مداخلة السيد كمال سليماني بصيفته رئيس جمعية ثاويزا آيت شيشار الذي تفضل بقراءة العرض الذي صاغته جمعية ثاويزا آيث شيشار حول أهم المراحل التاريخية للمدينة العتيقة إغساسن أو “غساسة” ⵉⵖⵙⵙⴰⵙⵏ CAZAZA و موقعها التراثي و الأثري الواقع في الجانب الغربي لشبه جزيرة قلعية بين جماعة بني شيكر (آيث شيشار) و جماعة إعزانن (آيث بويافار)، على ساحل إبطوين (بطوية).

الفترة المورية القديمة

حسب المراجع التاريخية و المؤرخين و الباحثين، يعود تأسيس مدينة غساسة إلى العهد الموري القديم (القرن الثالث و الرابع قبل الميلاد)، أثناء حكم الملك الموري الأمازيغي باݣا.

من الواضح جدا أن إختيار الملك باݣا هذا المكان بالتحديد لتأسيس مدينة غساسة ليس بصدفة، و إنما يرجع إلى عوامل إستراتيجية متعددة و مجتمعة في أن واحد؛ أولا وجود ميناء طبيعي قديم بعين المكان.

ثانيا وجود بقرب الميناء تلة مرتفعة يحدها الشاطئ توفر الحماية الدفاعية و المراقبة الدائمة للميناء و المدينة خاصتا بعد تحصينها على شكل قلعة و إضافة منارة في أعلاها (قلعة المنارة).

ثالثا يحيط بقلعة المنارة وديان على شكل خندق يعزلها من مدينة غساسة الواقعة بجنوبها.

رابعا المدينة المحصنة لغساسة حيث الأحياء السكنية و السوق، تقع على هضبة مرتفعة محاطة بأسوار دفاعية و أبراج مراقبة و تحدها تضاريس واعرة، جعلت من إغساسن مدينة محصنة من كل الزوايا الأربعة ضد أي هجوم أو تسلل و بإعتبارها، حيث كان مرسى المدينة يعم بلإحكام ضمن نظام عبقري مع باقي المدن المحيطة على شكل حزام إقتصادي و تجاري و دفاعي و  أيضا كانت إغساسن إحدى أهم المدن التجارية و الصناعية و مركز ثقافي مهم بالمملكة المورية منذ القدم  إلى حين تدميرها على يد الإسبان سنة 1532م.

إشتهرت مدينة غساسة GASASA منذ القدم في الخرائط التجارية الإغريقية بين الدولتان المورياتان (مملكة موروسيا MAURUSIA بغرب شمال إفريقيا و مملكة تارزيست الإبيرومورية  TARTESSOS بشبه جزيرة إبيريا). الواقعية على شبه جزيرة (هرك)، أطلق عليها الإغريق القدمى إسم METAGONION أي الزاويا البعيدة. و آنذاك كانت تعاصرها ثلاث مدن بجوارها؛ مدينة آرز وآدير RUSSADIR (مليلية). مدينة هرك الغابرة HERACLON و مدينة تازوضا TASSUDA.

و أثناء الحروب القرطاجية_الرومانية، كان لمرسى إغساسن دور كبير في تنقيل الجيوش الأمازيغية و دوابهم من بينها الجمال و الأحصنة و الفيلة إلى بلاد إيبيريا لغزو إيطاليا من الشمال عبر جبال البرنيس و الألب و من ثم محاصرة مدينة روما.

الفترة المورية الرومانية

بعدما قام القيصر الروماني كاليݣولا CALLEGULA بإغتيال بطلموس الأول PTOLOMEUS I REX MAURORUM ET LIBYCUM ملك المور و الليبيين إبن الملك الأمازيغي يوبا الثاني سنة 40 ملادية، إحتل الجيش الروماني المنطقة و سقطت دفاعات غساسة سنة 47 ميلادية و ضمها لإمبراطريتهم بعد حرب شارسة مع السكان الأصليين المور دامت سبعة سنوات، حيث أطلقى الرومان على غساسة إسم CASASA و جعلها عاصمة لإقليم METAGONETAE و نقطة إنطلاق حملاتهم العسكرية للسيطرتهم على الأجزاء الشمالية_الغربية لسواحل و سهول موريطانيا القديمة و أهم مدنها.

منذ إحتلالها تعرضت المدينة لهجمات عديدة من قبل المقاومة الوطنية المورية و محاولات كثيرة لتحريرها من الإستعمار الروماني فيها، و لنتذكر “ثورة آيديمون AEDEMON ⵉⴷⵉⵎⵓⵏ” و “ثورة مازيڤا MAZIPPA ⵎⴰⵣⵉⴼⴰ” و ثورة تاكفاريناس TACFARINAS ⵜⴰⴽⴼⴰⵔⵉⵏⴰⵙ” و “ثورة تامزمانت  TAMESMANT ⵜⴰⵎⵣⵎⴰⵏⵜ”.

و في بداية القرن الرابع الميلادي تقريبا بين سنة 307 و 314م تمكنت المقاومة المورية بقيادة الملكة المورية لالا تامزمانت، تحرير مدينة غساسة و روسادير و واليلي و تامودا و ليكسوس و تيبرنين و نكور و كل مناطق بلاد موريطانيا القديمة من الإحتلال الروماني و إستقلال المملكة المورية REGNUM MAURORUM.

كما تعرضت المدينة و المنطقة لهجوم الوندال سنة 429م مخلفا أضرار كبيرة في غساسة بعد نهبها و في القرن السادس الميلادي واجهت المدينة محاولة لإحتلالها من قبل الأسطول البيزانطي الذي ضرب عليها حصار دام سنوات.

الفترة المورية الإسلامية

إسم مدينة غساسة العتيقة أي (إغساسن) يأتي من مصطلح “إغس” و بتمازيغت المحلية يعني “العضم” جمع “إخسان” أو “إغوسان” أي أهل العضام، و في سنة 708 ملادية، إنطلق من ميناء إغساسن الأمير طريف المدغاري (نسبتا لجبل غيل أمدغار المجاور لغساسة)، في أول بعثة إستكشافية إلى الأندلس ثلاث سنوات قبل الغزو الذي قاده الأمير طريق بن زياد برفقة 12.000 محارب أمازيغي ضمن الأسطول الضخم الذي وفره الأمير يوليان الغماري دوق سبتة للعبور البحر نحو الأندلس في سنة 711م.

في هذه الفترة من التاريخ كانت مدينة غساسة تجاورها مدن أخرى في الشرق مدينة #مريشت (مليلية المحتلة حاليا) أو #آرز_وآدير Russadir قديما و مدينة سيلين SELENE-CAZAZA أو سلوان، و جنوبا على قمم جبل آگورگور (Gurugu)، مدينة ثازوضا المحصنة و شمالا قلعة تاجديرت و مدينة رقودوجث_ثاشمراشت أو “الكدية البيضاء” ALCUDIA و غربها وراء وادي إغساسن كانت هناك مدينة تسمى زعرور  أو TARQUERATE، و بجنبها على ساحل آيث بويافار مدينة قديمة بإسم TARFOGARELO أو TARFOGARELUM و بالإظافة إلى مدن ساحلية أخرى مثل مدينة فطيس FETIS يحدها واد شرظ (كرط).

كان لميناء إغساسن أهمية إستراتيجية و حركة ملاحية كبيرة أثناء الحكم الإسلامي الموري بالأندلس، بفضل تموقعه كان الميناء منطلق للإمدادات العسكرية للجيوش المورية بالأندلس بعيدا عن حملات السفن الحربية الأوروبية و مركز إقتصادي و تجاري شهد لإزدهارا عظيما، حيث كانت تتوافد على مدينة غساسة قوافل تجارية و سفن محملة ببضائع و سلع أتية من كل أقطار أفريقيا و الشرق و بلدان البحر المتوسط و نقطة لإلتقاء الثقافات بين إفريقيا و أوروبا.

عند إستقلال المغرب عن الخلافة الأموية بالمشرق سنة 123 هجرية 742 ميلادية أثناء ثورة الأمازيغ المسلمين بقيادة الملك الأمازيغي ميسرة المدغاري، قام الأمويين بالأندلس السيطرة على مدينة غساسة سنة 790م و إنتزاعها من إمارة نكور المورية و أثناء قيام دولة الأدارسة بالمغرب إسترجعت المدينة و حواضيرها من أمويين الأندلس.

الكثيرون هم المؤرخون الذين كتبا عن غساسة و لنتذكر البعض منهم أمثال البكري؛ الذي قال عن غساسة أنها مدينة عظيمة في شمال المغرب كانت تؤدي جبايات كبيرة لخزينة المرابطين مثلها فاس. كما يشير إبن الخطيب السلماني الغرناطي ( 776هـ/1374م )، عن غساسة بفقرة يفهم منها أكثر من معنى في كتابه “معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار” في سياق وصفه المدن الأندلسية والمغربية، أو ما يسمى بالمنافرة بين مدن العدوتين، فقال: “غساسة فريسة وأكيلة، وحشف وسوء كيلة. إلا أنها مرسى مطروق، بكل ما يروق، ومرفأ جارية بحرية ومحط جِبَايَة تجارية “.

و أثناء النزاعات الكبرى التي وقعت بين المرينيين و الزيانيين (فروع زناتة)، أثناء سقوط الدولة الموحدية، كان لمدينة غساسة دور تاريخي في هذه الأحداث، حيث نزل بمينائها الأمير أبا زكرياء إبن السلطان أبي يحيى برفقة أبا محمد عبد الله بن تافراكين و قدموا على ملك المغرب السلطان أبو سعيد بحضرته و أقيما لهم محفلا كبيرا بغساسة، و يقول إبن خلدون في كتابه: العبر و ديوان المبتدأ و الخبر في أيام العرب و العجم و البربر و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، عن أخبار غساسة “… أبلغوه صريخ السلطان أبي يحيى فاهتز لذلك هو و إبنه الأمير أبو الحسن و قال للأمير في ذلك المحفل يا بني‏ !!!‏ لقد أكبر قومنا قصدك و موصلك و والله لأبذلن في مظاهرتكم مالي و قومي و نفسي و لأسيرن بعساكري إلى تلمسان فأنزلها مع أبيك فانصرفوا إلى منازلهم مسرورين‏.‏ و كان فيما شرطه عليهم السلطان المغربي أبو سعيد مسير السلطان أبي يحيى بعسكره إلى منازلة تلمسان معه فقبلوا‏.‏ و نهض السلطان أبو سعيد إلى مدينة تلمسان سنة ثلاثين‏.‏ و لما إنتهى إلى وادي ملوية…”

و يقول إبن خلدون أيضا في نفس المصدر: “… و إستدعى السلطان أبي يحيى الأمير أبا زكرياء إبنه و وزيره أبا محمد عبد الله بن تافراكين و أمرهم بالإنصراف إلى صاحبهم و أسنى جوائزهم و حباءهم و ركبوا أساطيلهم عن غساسة‏. و أرسل معهم للخطبة و الصهر إبراهيم بن أبي حاتم العزفي و القاضي بحضرته أبا عبد الله بن عبد الرزاق و انكفأ على عقبه راجعاً إلى حضرته‏.‏ و لما انعقد الصهر بين الأمير أبي الحسن و السلطان أبي يحيى في إبنته شقيقة الأمير يحيى زفها إليهم في أساطيله مع مشيخة من الموحدين كبيرهم أبو القاسم بن عتو و وصلوا بها إلى مرسى غساسة سنة إحدى و ثلاثين بين يدي مهلك السلطان أبو سعيد، فقاموا بها على إقدام البر و التكرمة‏.‏ و بعثوا الظهر إلى غساسة لركوبها و حمل أثقالها و صيغت حكمات الذهب و الفضة و قدت و لايا الحرير المغشاة بالذهب و احتفل لوفادها و أعراسها غاية الإحتفال بما لم يسمع مثله في دولتهم‏.‏ وتولت قهارمة الدار من عجز من النساء ما يتولاه مثلهم من ذلك الصنيع و تحدث الناس به‏.‏ و هلك السلطان أبو سعيد بين يدي موصلها‏.‏ و البقاء لله وحده‏ ولاية إبنه السلطان أبو الحسن …”

و بميناء غساسة نزل أخر الملوك المور المغاربة بالأندلس، أبوعبديل الأصغر النصري الزواغي المصمودي (أبو عبد الله محمد الثاني و العشرين بنو نصر), مع الوفود الموريسكيين (الموريين الأمازيغ المغاربة الأندلسيين) و اليهود السفارديون سنة 1493م.

أصبحت مدينة غساسة عاصمة لإمارة بطوية الثانية (إمارة محلية ظهرت من جديد بمنطقة كرط على هامش الحروب المرينية-الوطاسية) أواخر القرن الخامس عشر الميلادي قبل أن تعود لسيادة للدولة الوطاسية المورية بالمغرب.

فترة الإحتلال الإسباني

بين سنة 1505-1508م، تعرضت مدينة غساسة لهجومات برتغالية_إسبانية يقودها خوان ألفونسو بيري غوزمان، دوق مدينة سيدونيا (Juan Alfonso Pérez de Guzmán)، بعد السيطرة على قلعة المنارة تم تدمير جزء من السور الكبير لمدينة غساسة مما تمكن للغزات إحتلال عدة أحياء من القصبة العتيقة و السوق، و بقي في الثغر المحتل سوى الجنود البرتقيس (البرتغاليين).

بعد أن إشتدت المقاومة المحلية لإبطوين المور (بطوية أسلاف إقرعيان أو قلعية)، حول مدينة غساسة سنة 1513م بقيادة المجاهد سيدي مسعوذ الغساسي و السيدة لالا جناذا، تم تحرير قلعة السوق بعد تدمير أسوارها بالمدافع الفرنسية التي إشتراها أهالي المنطقة من الفرنسيين، مما مكنهم من تحرير أحياء قصبة المدينة و محاصرة المحتل في قلعة المنارة حيث يوجد ميناء غساسة و الأسطول الإبيري (البرتغالي و الإسباني). غير أن الغزات قبل مغادرتهم الحصن قامو بتفخيخه و تلغيم الغيران التي توجد بداخل تلة القلعة (السجن القديم) و تفجيره لضمان خلفهم من نيران مدافع المقاومة أثناء فرارهم بسفنهم نحو مدينة مليلية المحتلة القريبة على بعد 10 أميال بالساحل الشرقي من شبه جزيرة هرك Caput Trium Furcarum، عند الإسبان.

و في فبراير من سنة 1532م حاول الإسبان مجددا إحتلال غساسة لكنه لقي بمقاومة شارسة من أهل المدينة و بعد أشهر من النيران، غير الإسبان أسلوبهم في إحتلالها فقامو بقنبلت أسوار غساسة بمدفعية سفنهم من الساحل ما أدى إلى تدمير المدينة و من ثم قام الإسبان بنهب ما تبقى من أحيائها السكنية و مخازنها و قصورها.

منذ ذلك الحدث العنيف، هجر السكان مدينة غساسة و بقي أثارها عرضة للعوامل الطبيعية و الإهمال و النهب و النسيان …

و في سنة 1912، إحتل الجيش الإستعماري الإسباني المنطقة بعد معارك دامية مع المقاومة المحلية و في سنة 1923 عادا الإسبان مجددا إلى إحتلال المنطقة إبان الحرب الإستعمارية الثالثة على الريف المغربي، حيث قام مجموعة من علاماء الحفريات الإسبان في الأربعينيات من القرن الماضي تحت قيادة Rafael Fernández de Castro y Pedrera بالتنقيب على جزء محدد من الموقع الأثري و إكتشاف العديد من التحف الأثرية المختلفة الأزمنة التي تم نهبها و إستعراضها في المتاحف الإسبانية آنذاك بغرض البروباغاندا الكولونيالية.

بعد هذه المداخلات القيمة لتنوير الحاضرين تفضل سادة أعضاء المجلس الجماعي لآيت شيشار بالتصويت بإجماع حول هذا الموضوع المهم التي تعتبر خطوة أساسية في جعل من الموقع التاريخي و الأثري إغساسن مدرج في الخريطة الوطنية للأثار و التراث.

  

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي