رغم حضور الثقافة ضمن عدد من البرامج الانتخابية للأحزاب المتنافسة في استحقاقات 23 شتنبر، غاب المسرح عنها، ما فتح نقاشا بشأن موقع هذا القطاع ضمن التصورات التي تقدمها الأحزاب للولاية الحكومية المقبلة، في وقت يواصل فيه المسرحيون مواجهة مجموعة من الإكراهات المرتبطة بالدعم والإنتاج والترويج وظروف الاشتغال.
وأمام غياب التفاصيل الخاصة بالمسرح في البرامج الانتخابية، يضع عدد من المسرحيين انتظاراتهم أمام الحكومة المقبلة، داعين إلى تجاوز المقاربة القائمة على دعم المشاريع نحو رؤية استراتيجية تضمن استمرارية الفرق المسرحية، وتطوير البنيات، وتحسين شروط اشتغال الفنانين، وتعزيز حضور المسرح لدى الجمهور.
ويعتبر مهنيو القطاع أن المرحلة المقبلة تستدعي إعادة النظر في عدد من الاختلالات التي تراكمت خلال السنوات الماضية، سواء تعلق الأمر بآليات الدعم أو بالتكوين والترويج والتوزيع، إلى جانب الحاجة إلى سياسات تواكب مختلف التجارب المسرحية وتمنحها شروطا أفضل للاستمرار والتطور.
وفي هذا السياق، يقول المسرحي الشاب زهير آيت بنجدي، الذي راكم تجربة في التمثيل والإخراج واشتغل أيضا على مسرح الشارع، في تصريح لجريدة “مدار21″، إن المسرح المغربي يعاني من غياب رؤية استراتيجية طويلة الأمد، إلى جانب ضغط سياسة الدعم التي لم تحقق، بحسب رأيه، النتائج المنتظرة منها، إضافة إلى محدودية الجمهور وضعف التسويق وهشاشة الأوضاع المهنية للفنانين، وسجل ما يعتبره تفضيلا نسبيا لمجالات أخرى، خصوصا السينما والتلفزيون، إلى جانب اختلالات في التوزيع وضعف البنية التحتية.
وينتقد آيت بنجدي أيضا ما يصفه باستمرار “دورة شبه مغلقة” تعتمد على الدعم دون أن تتحول الفرق المسرحية إلى مؤسسات قادرة على بناء استدامتها، مشيرا إلى أن عددا من المدن ما يزال يفتقر إلى فضاءات وتجهيزات تساعد على تطوير النشاط المسرحي وتقريب العروض من الجمهور.
وبخصوص انتظاراته من الوزارة التي ستشرف على القطاع الثقافي والفني خلال الولاية الحكومية المقبلة، يضع آيت بنجدي في مقدمتها تعزيز الدعم الجهوي، وتحسين شروط الصرف والتقييم، وحماية الأوضاع الاجتماعية للفنانين، واعتماد برامج توطين مستدامة، إلى جانب العمل على توسيع قاعدة الجمهور.
ويدعو المتحدث ذاته، إلى تحقيق توازن بين مختلف التعبيرات المسرحية، من التجريب والكوميديا الاجتماعية إلى المسرح الأمازيغي وباقي التيارات، بعيدا عن المقاربات الظرفية.
ويرى المسرحي أن تطوير علاقة المسرح بالجمهور لا يمكن أن يظل مسؤولية الفرق وحدها، داعيا إلى انخراط القنوات العمومية والخاصة في إنتاج برامج ثقافية تهتم بالمسرح، وتشجيع الإشهار وخلق قنوات تواصل أكثر انتظاما بين المهنيين والجمهور.
ويستند آيت بنجدي في طرحه إلى تجربة تمتد لأكثر من ستة عشر عاما منذ تخرجه، اشتغل خلالها على الإنتاج المدعوم وتطوير مسرح الشارع وعروض مسرح الطفل والعروض الموجهة إلى الجمهور النخبوي، معتبرا أن توسيع أشكال الاشتغال يمكن أن يشكل مدخلا للوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور.
وفي المقابل، يقول إن جزءا من النقاش داخل الوسط المسرحي يتجه نحو المطالبة بإصلاحات هيكلية تتجاوز الرفع من قيمة الدعم إلى ضمان استدامة القطاع وترسيخ المهنية.
ومن جانبه، يعتبر الممثل المسرحي محمد العنقاوي في تصريح لجريدة “مدار21” أن المسرح ما يزال يعاني التهميش مقارنة بالسينما والتلفزيون، مشيرا إلى أن قطاع الثقافة أوسع من المجال السينمائي ويشمل الكتاب والرسم والمسرح وغيرها من المجالات.
وينتقد العنقاوي طبيعة تدبير المجال المسرحي، معتبرا أن السينما تتوفر على مؤسسة متخصصة تتمثل في المركز السينمائي المغربي، فيما يدخل التلفزيون ضمن القطب العمومي، بينما يظل المسرح، بحسب تعبيره، بحاجة إلى إطار أكثر وضوحا واستقلالية في التدبير، منتقدا ما يصفه باعتماد القطاع على دعم محدود لا يستجيب، في نظره، لحاجات الفرق والمسرحيين.
وبخصوص الحكومة المقبلة، يتطلع العنقاوي إلى أن يكون المسؤول عن قطاع الثقافة قريبا من المجال الفني وملما بأوضاعه، وقادرا على التواصل مع مختلف الفنانين دون تمييز، داعيا في الوقت نفسه إلى رد الاعتبار إلى رواد المسرح والمشتغلين فيه ممن راكموا تجارب طويلة داخل القطاع.
ويطالب بإعادة النظر في طريقة دراسة الفرق المسرحية وآلية الدعم، بما يتيح، بحسبه، بناء تصور أكثر إنصافا ووضوحا لمختلف الفاعلين، ويمنح المسرح مكانة أكبر ضمن السياسات الثقافية العمومية خلال المرحلة المقبلة.


تعليقات
0