جريدة البديل السياسي
قد يكون من السهل، عند قراءة نتائج التصويت الأخير داخل مجلس الأمن بشأن بعثة المينورسو، الوقوف عند إسقاط المشروع الأمريكي بالفيتو الروسي، وعدم اعتماد المشروع الروسي المقابل، والخروج باستنتاج متسرع مفاده أن المغرب لم يحقق ما كان ينتظره من هذه المحطة الأممية. غير أن قراءة الأحداث في سياقها السياسي والدبلوماسي تفتح الباب أمام فهم مختلف لما جرى، خصوصاً إذا استحضرنا التحولات التي عرفها تدبير ملف الصحراء المغربية خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي انشغلت فيه بعض المنابر الإعلامية الجزائرية وأبواق جبهة البوليساريو بتقديم الفيتو الروسي باعتباره انتصاراً دبلوماسياً، كانت نتائج التصويت تكشف عن واقع أكثر تعقيداً، عنوانه تعثر المشروعين المتنافسين، وانتهاء ولاية بعثة المينورسو دون تجديد.
ولعل ما يستحق التوقف عنده في هذه المحطة هو مبدأ أساسي في تدبير الأزمات، يتمثل في القدرة على تحويل الأزمة إلى فرصة، واستثمار تداعياتها بما يخدم المصالح الاستراتيجية للدولة. فالدول لا تقاس قدرتها الدبلوماسية فقط بمدى قدرتها على تفادي الأزمات، وإنما أيضاً بكيفية تعاملها مع نتائجها، ومدى قدرتها على تحويل التطورات غير المتوقعة إلى أوراق تخدم توجهاتها.
من إخفاق التصويت إلى مأزق البعثة الأممية
فالمشروع الأمريكي، الذي كان يروم تجديد ولاية البعثة مع إدخال تعديلات جوهرية على طبيعة مهامها وتسميتها، حصل على تأييد أحد عشر عضواً من أعضاء مجلس الأمن، قبل أن يسقط بفعل الفيتو الروسي. وكان المشروع يتضمن التخلي عن الإحالة على الاستفتاء في تسمية البعثة، واعتماد تسمية جديدة، فضلاً عن جعل المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية أساساً للمفاوضات.
أما المشروع الروسي، الذي اقترح تجديد الولاية الحالية للبعثة لمدة سنة إضافية دون تغيير جوهري في مهامها أو طبيعة عملها، فلم يحصل سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة، مقابل صوت أمريكي معارض وأحد عشر امتناعاً، وهو ما حال دون اعتماده.
وهكذا وجد مجلس الأمن نفسه أمام مشروعين متعارضين، لم يتمكن أي منهما من الحصول على المصادقة، لتنتهي ولاية المينورسو في 31 أكتوبر 2026 دون تجديد.
وتكشف نتائج التصويت عن معطى سياسي يستحق الانتباه؛ فالمشروع الأمريكي، رغم إسقاطه بالفيتو الروسي، حظي بتأييد أحد عشر عضواً، في حين لم يتمكن المشروع الروسي، الذي كان يدعو إلى الإبقاء على الصيغة الحالية للبعثة، من الحصول سوى على ثلاثة أصوات مؤيدة. وهو ما يعكس حجم التباين داخل مجلس الأمن بشأن مستقبل المينورسو، ويجعل من الصعب تقديم ما حدث باعتباره انتصاراً للموقف الرافض للتوجه الأمريكي أو دعماً لاستمرار الوضع السابق.
البلاغ الملكي.. الانتقال من تدبير النزاع إلى تغيير قواعده
لم يتأخر المغرب في تقديم قراءته السياسية لهذه المستجدات، إذ جاء بلاغ الديوان الملكي الصادر يوم 30 أكتوبر ليضع الأمور في إطارها، معتبراً أن عدم تجديد ولاية المينورسو يمثل تطوراً مهماً وخطوة ذات دلالة نحو الإغلاق النهائي لملف الصحراء المغربية داخل الأمم المتحدة.
ولم يقتصر البلاغ على تسجيل الموقف من نتيجة التصويت، بل ذهب إلى تحديد ما ينبغي أن يترتب عنها، حين أكد أن وجود البعثة في الأقاليم الجنوبية للمملكة، بما يشمل أفرادها ومركباتها ومعداتها ورموزها، ينبغي أن ينتهي خلال الأيام المقبلة.
والأكثر دلالة في البلاغ هو الربط بين هذا التطور والانتقال من منطق التدبير إلى منطق التحول العميق في محددات الملف. وهي إشارة واضحة إلى أن المغرب لم يعد ينظر إلى استمرار النزاع في صيغته القديمة باعتباره أمراً يمكن القبول باستمراره إلى ما لا نهاية، خصوصاً في ظل التحولات التي عرفتها القضية والدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
كما أكد البلاغ أن عدم تجديد ولاية المينورسو ينبغي أن يفضي إلى نهاية إحالة القضية على مجلس الأمن وسحبها من جدول أعماله، بما يعنيه ذلك من وضع حد للاجتماعات الدورية والتقارير والإحاطات المرتبطة بالملف، مع الإشارة إلى اتخاذ خطوات مماثلة على مستوى أجهزة أممية أخرى.
وفي السياق ذاته، جدد البلاغ الملكي التأكيد على تمسك المغرب الراسخ بوقف إطلاق النار، وبسلامة ووحدة أراضيه وأمنه الوطني، في الوقت الذي شدد فيه على مواصلة الدينامية الدولية التي أطلقها جلالة الملك على المستويين الثنائي والإقليمي. وهي دينامية تقوم على الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة، مع الانفتاح على حل سياسي في إطار مبادرة الحكم الذاتي وتحت السيادة المغربية، بما يتيح تسوية هذا النزاع الإقليمي على أساس يحفظ ثوابت المملكة ومصالح جميع الأطراف.
ويعكس هذا الموقف إرادة مغربية واضحة لطي صفحة مرحلة طويلة من تدبير النزاع داخل المؤسسات الأممية، والانتقال إلى مرحلة جديدة، تقوم على مقاربة مختلفة لمستقبل القضية.
الموقف الأمريكي.. ما وراء الانسحاب المنظم
ومن التطورات اللافتة في هذه المرحلة، تصريح السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، الذي أكد أن الولايات المتحدة ستعمل مع الأمم المتحدة لضمان خروج منظم لبعثة المينورسو. ويحمل هذا الموقف دلالة سياسية مهمة، بالنظر إلى أن واشنطن كانت صاحبة القلم في الملف، وأن تأكيدها التوجه نحو إنهاء وجود البعثة ينسجم مع الطرح المغربي الداعي إلى تجاوز الصيغة القديمة لتدبير النزاع، والانتقال إلى مرحلة جديدة تستند إلى التحولات التي عرفتها القضية ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
الجزائر والبوليساريو.. بروباغندا إعلامية وقراءة خاطئة للواقع
في المقابل، حاولت بعض وسائل الإعلام الجزائرية والمنابر المحسوبة على جبهة البوليساريو استثمار الفيتو الروسي لتقديم ما حدث باعتباره انتصاراً لموقفها، وتصوير عدم اعتماد المشروع الأمريكي على أنه هزيمة للمغرب.
غير أن هذا الخطاب يغفل أن المشروع الروسي البديل لم يتمكن بدوره من الحصول على التأييد اللازم، وأن النتيجة النهائية كانت عدم تجديد ولاية البعثة، وليس تمديدها وفق الصيغة التي كانت الجزائر والبوليساريو تسعيان إلى الحفاظ عليها.
بل إن الأرقام تكشف عن واقع مختلف؛ فالمشروع الأمريكي حصل على تأييد أحد عشر عضواً، بينما لم يتمكن المشروع الروسي من تجاوز ثلاثة أصوات مؤيدة.
وإذا كان الفيتو الروسي قد منع تمرير المشروع الأمريكي، فإنه لم ينجح في المقابل في فرض المشروع الذي كان يدافع عن استمرار الوضع السابق.
فالفيتو قد يمنع قراراً من المرور، لكنه لا يضمن بالضرورة تمرير البديل، ولا يعيد تلقائياً الوضع إلى ما كان عليه. وقد أظهرت نتائج التصويت أن الموقف الرافض للمشروع الأمريكي لم يتمكن من توفير أغلبية بديلة تضمن استمرار البعثة وفق الصيغة السابقة.
الجبهة الداخلية.. وحدة الموقف في لحظة استراتيجية
ومن بين المؤشرات المهمة التي رافقت هذه التطورات، ردود الفعل الصادرة عن عدد من الأحزاب السياسية المغربية، التي سارعت إلى التعبير عن دعمها للبلاغ الملكي، وتجديد التأكيد على التشبث بالوحدة الترابية للمملكة، والاصطفاف وراء التوجهات الملكية في تدبير هذا الملف.
وقد عبرت أحزاب من بينها التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، والعدالة والتنمية، عن مواقف داعمة للموقف المغربي.
كما عبرت عدد من جمعيات المجتمع المدني عن مساندتها للموقف الرسمي المغربي وللسياسة التي تنهجها المملكة في تدبير قضية الصحراء المغربية، بما يعكس حضور دعم سياسي ومدني يسهم في تقوية الجبهة الداخلية وتعزيز الالتفاف الوطني حول الثوابت الاستراتيجية للمملكة.
وتكتسب هذه المواقف أهمية خاصة بالنظر إلى توقيتها، إذ تأتي في مرحلة تتطلب قدراً كبيراً من التماسك السياسي واليقظة الوطنية، بالنظر إلى حساسية التحولات التي يعرفها الملف.
فالسياسة الخارجية للدول، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة والوحدة الترابية، لا تنفصل عن قوة الجبهة الداخلية، وعن قدرة المؤسسات السياسية والحزبية والمدنية على توحيد الموقف الوطني حول الثوابت الاستراتيجية.
وإذا كانت الدبلوماسية المغربية قد راكمت خلال السنوات الماضية دعماً دولياً متزايداً لمبادرة الحكم الذاتي، فإن هذا الدعم يكتسب أهمية إضافية عندما يجد أمامه جبهة داخلية متماسكة، قادرة على مواكبة التحولات والدفاع عن المصالح العليا للمملكة.
المينورسو.. مهمة تعثرت لأكثر من ثلاثة عقود وانتهى مبرر استمرارها
تأسست بعثة المينورسو سنة 1991 في سياق ترتيبات أممية ارتبطت بوقف إطلاق النار والتحضير لتنظيم استفتاء لتقرير المصير في الصحراء. غير أن هذا الاستفتاء ظل، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، بعيد المنال، بسبب الخلافات الجوهرية التي حالت دون الاتفاق على شروط تنظيمه والهيئة الناخبة المعنية به.
ومع تعاقب السنوات، تحولت البعثة إلى وجود أممي مستمر، رغم تعذر تنفيذ المهمة الأساسية التي جاءت من أجلها. وفي ظل التحولات السياسية والدبلوماسية التي عرفها الملف، وتنامي الدعم الدولي للمبادرة المغربية للحكم الذاتي، أصبح من المشروع طرح سؤال جدوى استمرار بعثة لم تعد المهمة التي أُنشئت من أجلها قابلة للتحقيق.
المغرب وتحويل الأزمة إلى فرصة
تكمن أهمية هذه المحطة في أنها تضع المغرب أمام فرصة للانتقال من تدبير نزاع طال أمده إلى إعادة صياغة شروط تسويته. فالتحدي لم يعد مرتبطاً فقط بمستقبل بعثة المينورسو، وإنما بمدى القدرة على استثمار التحولات التي عرفتها مواقف عدد من القوى الدولية، وتحويلها إلى مسار سياسي واضح يستند إلى مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
لقد راكم المغرب خلال السنوات الماضية رصيداً دبلوماسياً مهماً، وانتقل النقاش بشأن الصحراء المغربية تدريجياً نحو البحث عن حل سياسي واقعي، بدل الاستمرار في رهانات لم تتمكن من تجاوز خلافات استمرت لعقود. واليوم، تبرز الحاجة إلى تثبيت هذا التحول، ليس فقط على مستوى المواقف والتصريحات، بل من خلال بناء توافق دولي أوسع حول المبادرة المغربية، وتوفير الشروط السياسية والقانونية الكفيلة بإنجاحها.
غير أن تحويل هذه اللحظة إلى مكسب استراتيجي مستدام يقتضي تدبير المرحلة المقبلة بحذر ووضوح، حتى لا يؤدي تعثر آليات الأمم المتحدة إلى إعادة إنتاج حالة الجمود بصيغ أخرى. فالمطلوب هو الانتقال من منطق انتظار القرارات الدورية إلى العمل من أجل تسوية نهائية، تحظى بالدعم الدولي وتحفظ للمملكة وحدتها الترابية وأمنها واستقرارها.
ومن هذه الزاوية، لا تكمن قيمة ما حدث في مجرد انتهاء ولاية بعثة أممية، وإنما في ما يمكن أن يفتحه من أفق لتغيير مسار القضية، وتثبيت مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الإطار السياسي الذي يراهن عليه المغرب لإنهاء هذا النزاع المفتعل.


تعليقات
0