جريدة البديل السياسي – بقلم حميد شهبوني
حين ينغلق الذوق: الموسيقى والغناء والمسرح في الريف بين التراث والتشدد الديني
تأملات في تحولات الحس الجمالي في الناظور والحسيمة
ليس الذوق الفني ترفاً زائداً عن حاجات الإنسان، ولا الموسيقى والغناء والمسرح مجرد وسائل للتسلية وتمضية الوقت؛ إنها جميعاً تعبيرات عن الروح الإنسانية، ووسائل لاكتشاف الذات وفهم المجتمع والتواصل مع الآخرين. فالإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج أيضاً إلى الجمال الذي يرقق إحساسه، ويوقظ خياله، ويمنح حياته أبعاداً تتجاوز الضرورات المادية.
ومن هنا تنطلق تساؤلاتي حول واقع الذوق الفني والجمالي في منطقة الريف، ولا سيما في الناظور والحسيمة: هل حافظ المجتمع الريفي على علاقته الطبيعية بالفن والإبداع؟ أم أن هذه العلاقة تعرضت لتحولات جعلت بعض مظاهر التعبير الفني أقل حضوراً وقبولاً في الحياة اليومية؟ وإذا كان الانغلاق الفني موجوداً قبل انتشار التيارات السلفية المتشددة، فهل ساهمت هذه التيارات في تعميقه وتوسيع دائرته؟
إنها أسئلة لا تستهدف إدانة المجتمع الريفي أو الانتقاص من هويته، وإنما تسعى إلى فهم التحولات التي عرفها، وإلى إثارة نقاش ثقافي حول مستقبل الفن والجمال في مجتمع يمتلك تراثاً غنياً يستحق الحفظ والتطوير.
الذوق فطرة، لكن تنميته مسؤولية المجتمع
يمتلك الإنسان استعداداً فطرياً للإحساس بالجمال، غير أن هذا الاستعداد لا ينمو في فراغ. فالذوق يتشكل بالتربية والتجربة والاحتكاك بالفنون والانفتاح على تجارب الآخرين. وقد يتسع ليصبح قدرة على اكتشاف الجمال في أشكال متعددة، كما قد يظل محدوداً بما اعتاده الإنسان في محيطه الاجتماعي.
وهنا ينبغي التمييز بين الاعتزاز بالتراث والانغلاق داخله. فمن حق الإنسان أن يحب موسيقاه المحلية، وأن يعتز بلغته وأغانيه وأزيائه وعمارة منطقته، لكن هذا الاعتزاز لا يقتضي رفض الموسيقى المختلفة أو الفنون الوافدة أو التجارب الجمالية الجديدة.
إن المجتمع الواثق من هويته لا يخشى التعرف على الآخر، ولا يعتبر الانفتاح عليه تهديداً بالضرورة؛ بل يستطيع أن يأخذ منه ما يراه جميلاً ومفيداً، مع الاحتفاظ بخصوصيته الثقافية.
الريف وتراثه الفني: من الغنى إلى سؤال التحول
عرف الريف، عبر تاريخه، أشكالاً متعددة من التعبير الفني، وفي مقدمتها الشعر الأمازيغي والإيزران والغناء الشعبي، فضلاً عن الأدوار التي اضطلع بها الشعراء والمغنون في الأعراس والمناسبات الاجتماعية. ولم يكن الغناء مجرد أصوات وألحان، بل كان وسيلة للتعبير عن الحب والحزن والفرح والحنين، وعن الذاكرة الجماعية وتجارب الناس وآمالهم.
كما شكلت الأغنية الريفية، في مراحل مختلفة، وسيلة للتعبير عن قضايا الهوية والحرية والتحولات الاجتماعية. وظهرت مبادرات ثقافية ومسرحية سعت إلى خدمة اللغة الأمازيغية وإبراز قضايا المجتمع، رغم ما واجهته من صعوبات.
لكن وجود هذا التراث يطرح سؤالاً أساسياً: هل نجحنا في تحويله إلى ثقافة جمالية متجددة، تتناقلها الأجيال وتطورها، أم أننا اكتفينا في بعض الأحيان بترديده في مناسبات محدودة، بينما تقلص حضور الفنون في مجالات أخرى من الحياة؟
إن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده؛ فالفن الذي لا يتجدد قد يتحول إلى مجرد ذكرى، والثقافة التي لا تفتح أبوابها أمام الأجيال الجديدة قد تفقد قدرتها على التأثير في الحاضر.
هل ساهم التشدد الديني في تضييق مساحة الفن؟
من وجهة نظري، لا يمكن تجاهل احتمال أن تكون بعض الخطابات الدينية المتشددة قد ساهمت في تعميق الانغلاق الفني في بعض الأوساط الريفية. غير أن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن هذا الانغلاق لم يبدأ بالضرورة مع انتشار التيارات السلفية، وأن إثبات حجم تأثيرها يحتاج إلى دراسة تاريخية واجتماعية دقيقة.
فحين يُقدَّم الغناء في خطاب اجتماعي متكرر باعتباره أمراً ينبغي الابتعاد عنه، أو يُنظر إلى بعض الآلات الموسيقية والعروض المسرحية بعين الريبة، فقد يتجاوز الأمر حرية الفرد في اختيار ما يناسب قناعاته، ليصبح ضغطاً اجتماعياً يؤثر في الأسر والشباب والفنانين.
وقد يتردد الأب في السماح لابنه بتعلم الموسيقى، أو تشعر فتاة ترغب في المسرح بأن محيطها لا يتقبل اختيارها، أو يجد الفنان نفسه مضطراً إلى الدفاع عن مشروعية نشاطه قبل أن يُقيَّم عمله من الناحية الفنية والأخلاقية.
وهكذا يمكن أن يتشكل، بمرور الزمن، مناخ لا يشجع على اكتشاف الفنون، ولا يمنح المبدعين المكانة التي يستحقونها.
لكن المشكلة ليست في التدين ذاته، ولا في حق الإنسان في اختيار نمط حياة محافظ؛ فالتدين لا يتعارض بالضرورة مع الإحساس بالجمال. وإنما تكمن المشكلة حين تتحول قراءة دينية معينة إلى معيار اجتماعي وحيد يُفرض على الجميع، أو حين يُختزل الحكم على الفن في موقف عام منه، دون النظر إلى مضمونه وقيمته ورسائله.
كما لا ينبغي أن نحمّل تياراً واحداً مسؤولية جميع التحولات. فضعف التعليم الفني، وقلة فضاءات العرض، ومحدودية التمويل، والهجرة، والتغيرات الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تستحق البحث في علاقتها بتراجع بعض الأنشطة الثقافية.
المسرح: مرآة المجتمع ومدرسة الذوق
إذا كانت الموسيقى تهذب الإحساس بالإيقاع والصوت، فإن المسرح يفتح أمام الإنسان عوالم من الأفكار والشخصيات والتجارب الإنسانية. إنه فضاء للحوار والنقد والتأمل، يستطيع من خلاله المجتمع أن يرى نفسه، وأن يناقش تناقضاته، وأن يطرح أسئلة قد يصعب التعبير عنها بوسائل أخرى.
ولذلك، فإن ضعف حضور المسرح في الحياة العامة ليس مجرد خسارة لوسيلة ترفيهية، بل قد يكون خسارة لفضاء من فضاءات التربية والتفكير وتعلم الاختلاف.
إننا بحاجة إلى مسرح أمازيغي وريفي متجدد، يعالج قضايا الإنسان والهوية والأسرة والشباب والعدالة والتحولات الاجتماعية، وينفتح في الوقت نفسه على التجارب المسرحية المغربية والعربية والعالمية.
ونحتاج كذلك إلى مسارح محلية، وعروض مدرسية، وورشات للشباب، وجمهور يتعلم مشاهدة الأعمال الفنية ومناقشتها ونقدها. فالجمهور لا يولد متذوقاً بالضرورة، بل يصبح كذلك عندما تتاح له الفرص المناسبة.
نحو ثورة في الوعي الجمالي
إن استعادة الذوق الفني في الريف لا تكون بالدخول في صراع مع المجتمع أو السخرية من قناعاته، وإنما بإطلاق مشروع ثقافي يجعل الفن جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
مشروع يعيد الاعتبار للأغنية الريفية، ويوثق الإيزران، ويشجع تعلم الموسيقى، ويدعم الفرق المسرحية، ويحمي حرية الإبداع المسؤول، ويمنح الأطفال والشباب فرصة التعرف على أشكال متعددة من الجمال.
ونحتاج إلى حوار صريح بين الفنانين والمثقفين والفاعلين الدينيين والتربويين، حوار لا يقوم على التخوين أو الاتهام، بل على البحث عن مساحة مشتركة تحترم القناعات الفردية وتحفظ للمجتمع حقه في الإبداع والتعبير.
فالهوية الأمازيغية ليست سجناً، والتدين ليس بالضرورة خصماً للفن، والانفتاح ليس تخلياً عن الجذور. ويمكن للمجتمع أن يحافظ على إيمانه ولغته وتراثه، وفي الوقت نفسه يفتح نوافذه على موسيقى العالم ومسرحه وفنونه.
إن المعركة الحقيقية ليست بين الدين والفن، ولا بين الأصالة والحداثة؛ بل بين ثقافة تنفتح على الجمال وتغذيه، وثقافة تضيق به حتى يصبح المختلف موضع شك قبل أن يُمنح فرصة الفهم والتذوق.
ولعل ما يحتاجه الريف اليوم ليس مجرد استعادة أغاني الماضي، وإنما استعادة الثقة في قدرته على الإبداع، وتربية أجيال ترى في الجمال قيمة إنسانية، وفي الفن مجالاً للتعبير والحوار، وفي التراث منطلقاً للمستقبل لا حدوداً تمنع الوصول إليه.
فالمجتمع الذي يصون ذاكرته الفنية، ويشجع مبدعيه، ويمنح أبناءه حرية اكتشاف الجمال، هو مجتمع يحافظ على جزء عميق من إنسانيته.
فلنستعد الذوق، ولنفتح أبواب الريف أمام الجمال؛ فالأمم لا تحيا بما تنتجه من خيرات مادية فحسب، بل أيضاً بما توقظه في نفوس أبنائها من إحساس بالجمال، وقدرة على الإبداع، وشغف بالحياة.


تعليقات
0