جريدة البديل السياسي |البديل الثقافي

حوار مع الأستاذ عبد القادر شقيقي القادري حول مسيرة رجل جعل من التربية والثقافة وخدمة الناس رسالة للحياة حاوره:  الزبير مهداد

0bf5e3f8-5777-4415-bfdf-43ed00b26222

حوار مع الأستاذ عبد القادر شقيقي القادري حول مسيرة رجل جعل من التربية والثقافة وخدمة الناس رسالة للحياة حاوره:

 الزبير مهداد.

تعريف موجز مهداد: عندما نتحدث عن مسيرتكم الطويلة، نجد أنفسنا أمام تجربة متعددة الأبعاد: التعليم، والإدارة التربوية، والعمل الجمعوي، والثقافة، والعمل الاجتماعي، ثم توثيق ذاكرة المنطقة. قبل أن نتوقف عند هذه المراحل، نود أن نبدأ من البدايات.

من هو عبد القادر شقيقي القادري؟ الأستاذ عبد القادر شقيقي: عبد ربه، عبد القادر بن امحمد بن عبد الرحمن القادري، المعروف بعبد القادر شقيقي القادري.

أنحدر من أسرة الشرفاء القادريين برأس ورش ببني شيكر، وهي أسرة ارتبط اسمها بالزاوية القادرية وبأدوار دينية واجتماعية معروفة في المنطقة.

كان والدي، سيدي امْحمّد بن عبد الرحمن، رحمه الله يتولى مشيخة الزاوية القادرية، ولذلك نشأت في بيئة كان فيها الدين والتراث المحلي وخدمة الناس عناصر أساسية في الحياة اليومية.

وأعتقد أن هذه البيئة تركت أثرًا عميقًا في شخصيتي، وإن أخذ عطائي فيما بعد أشكالًا مختلفة، ارتبَطَتْ بالتربية والتعليم والثقافة والعمل الاجتماعي.

 

مهداد: ولدتم سنة 1939. كيف كانت بداياتكم التعليمية؟

الأستاذ شقيقي: وُلدت في 18 أبريل 1939، في فترة كانت المنطقة تعرف تحولات عميقة على المستويات التعليمية والاجتماعية والإدارية.

كانت بدايتي مع التعليم في كتاب الزاوية، حيث حفظت القرآن الكريم، وتعلمت مبادئ اللغة العربية.

ثم التحقت بالتعليم الابتدائي في مليلية خلال فترة الحماية. وبعد الاستقلال، وفي يناير 1957، التحقت بالمعهد الأصيل بالناظور، لمواصلة تعليمي.

حصلت على الشهادة الابتدائية سنة 1959، ثم الشهادة الثانوية سنة 1963.

بعد ذلك التحقت بمركز تكوين المعلمين بالناظور، وكان ذلك تمهيدًا لدخولي عالم التربية والتعليم. من الفصل التربوي إلى الإشراف الإقليمي على الأنشطة مهداد: ومتى بدأتم العمل في ميدان التعليم؟

الأستاذ شقيقي: بدأت مسيرتي المهنية الفعلية سنة 1964، حين التحقت بالتدريس في ملحقات التعليم الأصيل بالناظور، وعملت في عدد من المؤسسات والمدارس.

لم أنظر إلى التعليم باعتباره مجرد وظيفة. كنت أراه مجالًا للمساهمة في تكوين الناشئة وبناء الإنسان.

وخلال سنوات التدريس أصبحت قريبًا من التلاميذ والمدرسين والمؤسسات التعليمية، واكتسبت من هذه التجربة معرفة ميدانية بحاجات المدرسة ومشكلاتها.

ولعل هذه التجربة هي التي ساعدتني فيما بعد على الانتقال من الفصل الدراسي إلى مجال أوسع، هو تدبير الحياة المدرسية والأنشطة التربوية والعمل الجمعوي.

مهداد: في أكتوبر 1976 انتقلتم إلى مسؤولية إدارية على مستوى نيابة التعليم بالناظور.

ماذا مثل لكم هذا الانتقال؟

الأستاذ شقيقي: كان ذلك مرحلة جديدة في مسيرتي. فقد توليت على مستوى نيابة التعليم بالناظور مسؤولية الكتابة العامة الإقليمية للأنشطة المدرسية الموازية والتربية والتكوين الحديث.

هذا الانتقال وسّع مجال عملي. لم أعد مرتبطًا بمؤسسة تعليمية واحدة، بل أصبحت معنيًا بمجموعة من المؤسسات والبرامج والأنشطة على المستوى الإقليمي.

كان الاهتمام منصبًا على تنظيم البرامج والأنشطة، وتأطير المؤسسات، وربط المدرسة بمحيطها الثقافي والاجتماعي. استمرت هذه المسؤولية نحو عقدين، إلى أن وصلت إلى سن التقاعد.

لكنني لم أعتبر التقاعد نهاية للعطاء. التقاعد والعمل الجمعوي مهداد: يبدو أن العمل الجمعوي كان حاضرًا في تجربتكم منذ وقت مبكر. الأستاذ شقيقي: نعم.

كان للعمل الجمعوي، ولا سيما التعاون المدرسي، دور مهم في تكوين تجربتي. فقد تحملت مسؤوليات في جمعية التعاون المدرسي، ومكنتني هذه التجربة من اكتساب مهارات عملية في التنظيم والتسيير والتدبير.

وقد استفدت من هذه الخبرة لاحقًا في عملي داخل الأنشطة التربوية على المستوى الإقليمي.

كما أتاحت لي الكفاءة التي اكتسبتها المشاركة في لقاءات وتظاهرات تربوية جهوية ووطنية، وحصلت على عدد من الشهادات والتنويهات تقديرًا للعمل الذي كنت أقوم به، وكان من أبرزها الوسام الملكي الذي توجت به سنة 1993.

التعاون المدرسي وتفعيل قاعدة المدرسة في خدمة المتعلم .

مهداد: ما الذي جعل التعاون المدرسي يحتل هذه المكانة في تجربتكم؟

 الأستاذ شقيقي: كنت أرى أن المدرسة ليست مجرد قاعة للدراسة، وأن العمل التربوي لا ينتهي بانتهاء الدرس.

لذلك اهتممت بتطوير هياكل ومساطر التدبير الإداري لجمعية تنمية التعاون المدرسي وفروعها، والعمل على تطوير آليات اشتغالها داخل المدارس الابتدائية.

كما لم يقتصر دوري على الإدارة والتسيير، بل اهتممت بالتكوين والتأطير، وأشرفت على عدد من التداريب الإقليمية والوطنية التي تناولت تدبير التعاونيات المدرسية وفروع جمعية تنمية التعاون المدرسي.

وكان هدفي أن يصبح العمل الجمعوي رافدًا حقيقيًا للعملية التعليمية، وليس مجرد نشاط هامشي.

وجهودي لم تكن تنحصر في التنشيط التربوي التعاوني، بل كان توسيع العرض التربوي من بين اهتماماتي، خاصة في الوسط القروي، حيث يجد التلاميذ صعوبة في الاستمتاع بحقهم الدستوري في التعلم، بسبب قلة المؤسسات التعليمية، خلال فترات الثمانيات.

وخاصة في منطقة تاوريرت بني شيكر التي تتميز بظروفها الجغرافية الصعبة، والهشاشة الاجتماعية، ما دفعني إلى المبادرة بإحداث مدرسة الزاوية التي ما تزال تؤدي وظيفتها، فتبرعت بالقطعة الأرضية، وأسهمت بشكل واضح ومباشر في إقامة صرح هذه المدرسة التي خففت كثيرا من العبء على المتعلمين الصغار.

مهداد: كنتم أيضًا من المهتمين بالأنشطة الموازية.

ما التصور الذي كان يحكم هذا الاهتمام؟

الأستاذ شقيقي: كنت أؤمن بأن المدرسة ينبغي ألا تكون فضاءً للتلقين فقط، وإنما ينبغي أن تكون فضاءً للقراءة والفن والموسيقى والإبداع والتكنولوجيا.

ولهذا عملت خلال تسعينيات القرن العشرين على إحداث مكتبات للأطفال وأندية للإعلاميات في عدد من مدن إقليم الناظور، من بينها الناظور وميضار وأزغنغان وزايو.

في ذلك الوقت كانت الحواسيب وتقنيات الإعلاميات لا تزال جديدة نسبيًا في الحياة المدرسية، ولذلك لم يكن الهدف مجرد إدخال تجهيزات جديدة إلى المدرسة، وإنما كان المقصود أيضًا استثمار أوقات المتعلمين في أنشطة مفيدة، وتشجيعهم على القراءة، وتعريفهم مبكرًا بعالم الإعلاميات، وفتح المدرسة أمام أشكال جديدة من المعرفة.

وفي مدينة الناظور، أُحدثت مجموعة متنوعة من الأندية، مثل نادي الموسيقى، ونادي الرسم، والنادي الثقافي النسوي، ونادي الكتاب، ونادي الإعلاميات.

وقد ملأت هذه المشاريع ثغرة واسعة في حقل ثقافة الأطفال، واستقطبت هذه الأندية أعدادًا كبيرة، واستفاد منها آلاف المتعلمين.

كنا نقيم كل سنة، معارض لرسوم التلاميذ، ولمنتجاتهم الفنية، وهواياتهم، مفتوحة في وجه العموم، تعرف بالروح المبدعة الكامنة في أبنائنا التلاميذ.

مهداد: ما القيمة التي كنتم ترونها في هذه الأندية؟

الأستاذ شقيقي: القيمة لم تكن في عدد الأندية فقط، وإنما في الفكرة التي كانت وراءها.

كنت أريد أن يتربى الطفل على المعرفة والذوق والإبداع، وألا تختزل المدرسة في المقرر والامتحان.

فالطفل يحتاج إلى الكتاب، كما يحتاج إلى الفن والموسيقى والإبداع. والمدرسة التي تفتح هذه المجالات أمامه تساعده على اكتشاف إمكاناته وتوسيع علاقته بالمعرفة.

مهداد: من المبادرات التي ارتبطت بمسيرتكم أيضًا إحداث مكتبة إقليمية. كيف جاءت هذه الفكرة؟

 الأستاذ شقيقي: كانت الحاجة إلى فضاء للقراءة والبحث واضحة، ولذلك تم إحداث مكتبة إقليمية لفائدة العاملين في قطاع التعليم بالناظور.

ضمت المكتبة عشرات الآلاف من الكتب والدوريات، إلى جانب قاعة واسعة للمطالعة وتجهيزات للاستنساخ وتصوير الوثائق.

ولم تبق المكتبة حبيسة أسرة التعليم، بل فتحت أبوابها أيضًا أمام تلاميذ الثانويات والقراء والباحثين.

كانت مدينة الناظور في تلك المرحلة تفتقر إلى مكتبة عمومية كبيرة، ولذلك تحولت المكتبة إلى فضاء للقراءة والبحث والاطلاع، وكان يقصدها المدرسون والتلاميذ والباحثون.

كنت أرى أن بناء المدرسة لا ينفصل عن بناء البيئة الثقافية المحيطة بها. الإنتاج الثقافي والإعلامي التربوي.

 مهداد: ومن المبادرات التي تبدو قريبة من الأطفال سلسلة «تعالوا نقرأ معًا». ما قصتها؟

 الأستاذ شقيقي: كانت مبادرة تربوية هدفها تقريب الكتاب من الأطفال. أشرفت على إصدار سلسلة قصصية تربوية للأطفال بعنوان «تعالوا نقرأ معًا»، وكان من أهدافها جعل الكتاب في متناول المتعلم. لذلك وزعت القصص على الأطفال بثمن رمزي لا يتجاوز درهمًا واحدًا.

كنت أؤمن بأن الكتاب ينبغي ألا يكون امتيازًا لفئة اجتماعية دون أخرى، وأن الطفل، مهما كانت ظروف أسرته، يجب أن يجد طريقه إلى القراءة.

وقد حظيت هذه المبادرة باهتمام إعلامي وطني، لأنها جمعت بين التربية والثقافة والبعد الاجتماعي.

مهداد: لم تكتفوا بالمبادرات الميدانية، بل اهتممتم أيضًا بالكتابة والنشر والتوثيق التربوي.

الأستاذ شقيقي: نعم. كنت أرى أن التجارب التربوية ينبغي ألا تبقى حبيسة الذاكرة الشفوية. لذلك اهتممت بإصدار عدد من النشرات والدوريات والكتيبات التي كان يصدرها فرع جمعية تنمية التعاون المدرسي بالناظور، ومن بينها «هدف» و«الحياة المدرسية».

كما أشرفت على إصدار عدد من الأدلة والمنشورات التربوية، ومنها كتاب حول المسرح المدرسي، وكتاب «الماء والحياة»، إلى جانب أعمال أخرى.

كان التوثيق بالنسبة إلي وسيلة للحفاظ على التجربة حتى يستفيد منها الآخرون. النهوض بالفضاء التربوي لخدمة الموظفين والمرتفقين.

 مهداد: يبدو أن اهتمامكم شمل حتى الفضاءات التي كانت تحتضن العمل التربوي.

الأستاذ شقيقي: نعم، لأنني كنت أعتقد أن الفضاء نفسه جزء من العملية التعليمية والتربوية.

أسهمت في توسيع مقر نيابة التعليم، وإحداث قاعة للأنشطة الإقليمية وتجهيزها بالكراسي والستائر والمنصة المسرحية وغرف الكواليس، كما عملت على إقامة مسجد داخل مقر النيابة، واهتممت بالحديقة التي تتوسط المؤسسة، وأصبح مقر عمل كئيب حديقة جميلة غناء.

كما شملت المبادرات ترميم وإصلاح المقر القديم لمركز تكوين المعلمين، وإحداث فضاء للمنتدى التربوي للتعاون المدرسي، وتجهيزه بأندية للأطفال ومراقد لاستقبال أفراد أسرة التعليم أثناء فترات التكوين، إلى جانب مطبخ مجهز ومطعم واسع. الدعم الاجتماعي للمتعلمين

مهداد: كان لكم أيضًا اهتمام واضح بالبعد الاجتماعي للتعليم.

الأستاذ شقيقي: نعم، لأنني كنت أرى أن التعليم لا ينفصل عن الظروف الاجتماعية للطفل.

أشرفت على توزيع مئات الآلاف من نسخ الكتب المدرسية والأدوات التعليمية والمحافظ على المتعلمين المنحدرين من أسر محدودة الإمكانات بإقليم الناظور، في إطار برامج للدعم الاجتماعي.

كما أسهمت في دعم المطاعم المدرسية والحرص على تحسين خدماتها. كنت أرى أن توفير شروط التعلم يعني أيضًا توفير الشروط الاجتماعية التي تساعد الطفل على الاستمرار في المدرسة. التقاعد بداية حياة جديدة مهداد: وصلتم إلى التقاعد، لكن يبدو أن التقاعد لم يكن نهاية نشاطكم.

الأستاذ شقيقي: أبدًا. عندما وصلت إلى سن التقاعد، بدأت مرحلة أخرى من المبادرات المثمرة.

توليت لمدة أربعة عشر عاما مسؤولية الكتابة العامة لجمعية المتقاعدين، وأسهمت في تطوير تنظيمها الإداري، وتنشيط حياتها الثقافية والاجتماعية، وتجديد هياكلها، وتهيئة مقر يليق بأعضائها.

بالنسبة إلي، التقاعد لم يكن نهاية العمل، وإنما انتقالًا من مؤسسة إلى أخرى، ومن نوع من الخدمة إلى نوع جديد منها. توثيق ذاكرة الزاوية والريف الشرقي .

مهداد: هناك جانب آخر في تجربتكم، وهو علاقتكم بذاكرة الناظور والريف.

كيف أصبحتم من المهتمين بتوثيق تاريخ المنطقة؟

 الأستاذ شقيقي: عشت في المنطقة عقودًا طويلة، وكنت قريبًا من أحداثها ورجالاتها ومؤسساتها.

ومع مرور السنوات راكمت رصيدًا من الوثائق والروايات والمعلومات المتعلقة بالناظور وبني شيكر والمنطقة الشرقية من الريف.

كنت أحرص على الاحتفاظ بالوثائق والروايات وشهادات الأشخاص، لأنني كنت أدرك أن كثيرًا من تفاصيل الحياة المحلية يمكن أن تضيع إذا لم تجد من يجمعها ويوثقها.

وقد استفاد من هذا الرصيد عدد من المؤلفين والباحثين، من بينهم مصطفى الغديري، وحسن الفيكيكي، وعبد الوهاب برومي، ويوسف السعيدي وغيرهم.

مهداد: هل تعتبرون حفظ الذاكرة المحلية جزءًا من خدمة المجتمع؟

الأستاذ شقيقي: بالتأكيد. فالذاكرة ليست مجرد أسماء وأحداث، وإنما هي وثائق وروايات وشهادات وتفاصيل عن حياة الناس والمؤسسات والقرى والمدارس والزوايا والأسر.

والتاريخ الوطني لا يتكون من الأحداث الكبرى وحدها؛ فهناك أيضًا التاريخ المحلي والجهوي، وهو جزء من الذاكرة الوطنية.

ولهذا اهتممت في مرحلة لاحقة بتوثيق تاريخ الزاوية القادرية الشكرية، اعتمادًا على ما توفر لدي من معرفة ووثائق وروايات مرتبطة بالزاوية وأسرتها ومحيطها الاجتماعي والثقافي.

مهداد: وما الذي يعنيه لكم هذا المشروع؟

الأستاذ شقيقي: هو محاولة للحفاظ على جزء من الذاكرة المحلية. فتاريخ زاوية أو أسرة لا ينفصل عن تاريخ المنطقة التي نشأت فيها وعاشت داخلها.

وأعتقد أن توثيق مثل هذه التجارب يساهم في كتابة التاريخ المحلي والجهوي للريف الشرقي، لأن تاريخ المدن والقرى والزوايا والمدارس والأسر والعلماء والمربين والفاعلين الاجتماعيين جزء من التاريخ العام. سيرة وضاءة وغنية.

 مهداد: عندما تنظرون اليوم إلى مسيرتكم الطويلة، هل ترونها مجموعة من الأدوار المتفرقة؟

الأستاذ شقيقي: قد تبدو كذلك في ظاهرها: مدرس، وإداري، وفاعل جمعوي، ومهتم بالثقافة، وداعم للفنون، وفاعل اجتماعي، ووسيط للإصلاح، ثم موثق للذاكرة.

لكنني لا أراها أدوارًا متفرقة. هناك خيط واحد يجمعها كلها، وهو خدمة الإنسان والمجتمع.

المكتبة تخدم العقل، والنادي المدرسي يخدم الطفل، والكتاب يخدم المعرفة، والمساعدة الاجتماعية تخدم المحتاج، والصلح يخدم المجتمع، وتوثيق التاريخ يخدم الذاكرة الجماعية.

مهداد: لو أردتم أن تلخصوا فلسفة تجربتكم في كلمات قليلة، فماذا تقولون؟

الأستاذ شقيقي: أقول إن التربية لا ينبغي أن تنحصر في المقرر، والثقافة لا ينبغي أن تبقى بعيدة عن المدرسة، والعمل الاجتماعي لا ينبغي أن ينفصل عن خدمة الإنسان، والذاكرة لا ينبغي أن تترك للنسيان.

لقد حاولت، في كل مرحلة من مراحل حياتي، أن أقدم ما أستطيع. بدأت مدرسًا، ثم انتقلت إلى التدبير التربوي، واشتغلت في التعاون المدرسي، واهتممت بالمكتبة والكتاب والأنشطة الفنية والثقافية، ثم واصلت العمل الاجتماعي بعد التقاعد، وفي مرحلة لاحقة اهتممت بتوثيق ذاكرة المنطقة. وإذا كان هناك شيء يجمع هذه المراحل كلها، فهو الرغبة في أن يكون للإنسان نصيب من المعرفة والخدمة والرعاية، وأن يبقى ما عاشه الناس وما أنجزوه محفوظًا للأجيال.

مهداد: في نهاية هذا الحوار، ماذا تمثل لكم الناظور والريف بعد كل هذه العقود؟

 الأستاذ شقيقي: الناظور والريف ليسا مجرد مكان عشت فيه سنوات طويلة، بل هما جزء من ذاكرتي وعملي وتجربتي.

هنا تعلمت، وهنا عملت، وهنا عرفت الناس والمؤسسات، وهنا شاركت في التعليم والعمل الاجتماعي والثقافي.

ولذلك كان طبيعيًا أن أهتم في مرحلة لاحقة بحفظ وثائق المنطقة ورواياتها وتاريخ مؤسساتها وأسرها.

فالإنسان يرحل، لكن الذاكرة ينبغي أن تبقى.

مهداد: وما الذي تتمنونه للأجيال القادمة؟

 الأستاذ شقيقي: أتمنى أن تستمر العناية بالتربية والثقافة، وأن يبقى الكتاب حاضرًا في حياة الأطفال، وأن تظل المدرسة فضاءً للمعرفة والإبداع، وأن يستمر العمل الاجتماعي في خدمة المحتاجين.

وأتمنى كذلك أن يهتم الجيل الجديد بتوثيق تاريخ منطقته، لأن كل منطقة تحمل ذاكرة خاصة، وإذا لم نوثقها فإن جزءًا من تاريخنا يمكن أن يضيع.

مهداد: في كلمة أخيرة، كيف تحبون أن يتذكر الناس هذه المسيرة؟

 الأستاذ شقيقي: لا أريد أن تُذكر باعتبارها قائمة من الوظائف والمناصب، وإنما باعتبارها تجربة في خدمة الناس.

لقد كان التعليم خدمتي، والثقافة وسيلتي، والعمل الاجتماعي واجبي، وحفظ الذاكرة مسؤولية أؤمن بها.

وربما هذا هو المعنى الحقيقي لمسيرة الإنسان: أن يترك وراءه شيئًا ينفع الناس، وأن يساهم، ولو بقدر بسيط، في بناء الإنسان وحفظ ذاكرة المكان.

مهداد: شكرًا لكم، أستاذ عبد القادر، على هذا الاستحضار لمسيرة طويلة امتدت من التعليم إلى الثقافة والعمل الاجتماعي والتوثيق، ندعو الله أن يمد في عمركم ويرزقكم العافية وينفع بكم.

الأستاذ شقيقي: أشكركم بدوري على إتاحة هذه الفرصة للحديث عن تجربة أعتز بها، وعن منطقة ارتبطت بها حياتي وعملي وذاكرتي.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي