جريدة البديل السياسي – حميد شهبوني
بين مرجعية الدولة ومرجعية حقوق الإنسان: أي فهم لدى المرشحين؟
عندما أكتب عن «مرجعية الدولة ومرجعية حقوق الإنسان»، فإنني أستحضر في ذهني مجموعة من المرشحين للاستحقاقات الانتخابية لسنة 2026، ممن لهم حظوظ حقيقية في الوصول إلى البرلمان وتحمل مسؤولية التشريع وصناعة السياسات العمومية.
وهنا أطرح سؤالًا بسيطًا، لكنه في غاية الأهمية:
كيف يفهم هؤلاء المرشحون العلاقة بين مرجعية الدولة ومرجعية حقوق الإنسان؟
فالمغرب دولة لها مرجعيتها وهويتها وخصوصيتها. والإسلام ليس مجرد عنصر ثقافي في المجتمع المغربي، وإنما دين الدولة وفق الدستور، كما أن الدولة تستند إلى منظومة من الثوابت الوطنية والمؤسساتية التي تشكل إطارًا حاكمًا للعمل السياسي والتشريعي.
وفي المقابل، أصبح المغرب جزءًا من المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، والتزم بعدد من الاتفاقيات والمواثيق الدولية، بما يجعل حقوق الإنسان والحريات والكرامة والمساواة وعدم التمييز قضايا حاضرة بقوة في التشريع والسياسات العمومية.
وهنا تبدأ المساحة الحقيقية للاجتهاد السياسي.
فالمشكلة ليست أن لدينا مرجعية إسلامية ومرجعية حقوقية دولية، وإنما المشكلة في كيفية فهم العلاقة بينهما، وكيفية تنزيلهما في الواقع.
هل كل ما يصدر عن المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان يتعارض مع الإسلام؟
بالطبع لا.
وهل كل اجتهاد يرفع شعار حقوق الإنسان يجب أن يُقبل دون نقاش أو مراعاة للهوية والثوابت والخصوصية الوطنية؟
أيضًا لا.
فالكرامة، والعدل، ورفض الظلم، وحماية الضعفاء، وصيانة الحقوق، ومحاربة الفساد، كلها قيم لا تحتاج إلى شهادة من الخارج حتى تصبح مشروعة.
لكن توجد قضايا أخرى تحتاج إلى اجتهاد عميق ومسؤول عندما تتقاطع فيها المرجعية الإسلامية مع بعض التصورات أو المعايير الحقوقية الدولية.
وهنا تحديدًا تظهر أهمية النخب السياسية.
فالمرشح الذي قد يصبح غدًا نائبًا في البرلمان أو مسؤولًا في الحكومة، لن يكون مطلوبًا منه فقط أن يعرف كيف يخاطب الناخبين، بل أن يعرف كيف يتعامل مع القضايا المعقدة عندما تتقاطع فيها الهوية والدستور والدين والقانون والالتزامات الدولية والمصلحة الوطنية.
لذلك أعتقد أن من حق الناخب أن يسأل مرشحه:
ما مرجعيتك عندما تتعارض بعض مقتضيات المرجعية الإسلامية مع بعض المعايير الحقوقية الدولية؟
هل ستتعامل مع الأمر بمنطق الصدام؟
أم بمنطق الاستسلام؟
أم بمنطق الاجتهاد والبحث عن التوفيق، مع احترام الدستور والثوابت الوطنية والالتزامات الدولية للمغرب؟
إن رجل السياسة الحقيقي لا يهرب من الأسئلة الصعبة، ولا يختبئ خلف الشعارات.
فالانتخابات ليست فقط اختيار أشخاص لاحتلال مقاعد داخل البرلمان، وإنما اختيار عقول ستشارك في صياغة مستقبل المجتمع.
ومن هنا، فإن اختبار المرشح لا ينبغي أن يكون فقط في عدد الوعود التي يقدمها، وإنما في قدرته على الإجابة عن الأسئلة الكبرى:
من نحن؟
ما هي مرجعيتنا؟
كيف نحمي هويتنا؟
كيف نحترم حقوق الإنسان؟
وكيف نبني دولة حديثة دون أن نفقد ثوابتنا؟
هذه الأسئلة، في نظري، أهم من كثير من الشعارات الانتخابية التي ستملأ الساحة خلال أيام الحملة.
لأننا لا نحتاج فقط إلى من يعرف كيف يفوز بالانتخابات، بل إلى من يعرف كيف يتخذ القرار عندما يصبح مسؤولًا أمام الله والوطن والقانون والإنسان.


تعليقات
0