جريدة البديل السياسي |البديل الوطني

المعارضة البرلمانية تُحيل قانون تنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية وتطعن في مقتضياته.

690349356_1006361655417609_1253912862788925981_n

جريدة البديل السياسي- إعداد: محمد الحدوشي .

في خطوة تشريعية وسياسية لافتة، قررت مكونات المعارضة البرلمانية إحالة القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول على المحكمة الدستورية، قصد البت في مدى مطابقته لأحكام الدستور، معتبرة أن عدداً من مواده تتضمن خروقات تمس مبادئ دستورية أساسية، من بينها المساواة، والأمن القانوني، وضمانات المحاكمة العادلة، وجودة المرفق العمومي، وحماية الملكية وحقوق المتقاضين.

وجاءت هذه الإحالة، وفق رسالة موجهة إلى رئيس المحكمة الدستورية، استناداً إلى مقتضيات الفصل 132 من الدستور، حيث أكدت المعارضة أن النص التشريعي الجديد يثير “ملاحظات عامة” تتعلق بخرق مبادئ دستورية مؤطرة لمنظومة العدالة والتوثيق، إلى جانب “ملاحظات خاصة” مرتبطة بمواد محددة اعتُبرت مخالفة للدستور، مع التماس التصريح بعدم مطابقة عدد من مقتضياته للدستور، أو حتى النظر في مدى دستورية القانون برمته.

واعتبرت المعارضة أن بعض مواد القانون تمنح سلطات تنظيمية وتقديرية واسعة دون تأطير تشريعي دقيق، بما قد يمس بمبدأ الشرعية القانونية والأمن القانوني المنصوص عليهما في الفصل السادس من الدستور، خاصة في ظل استعمال عبارات وصفت بـ”الفضفاضة” التي قد تفتح الباب أمام اختلاف التأويلات القضائية وتؤثر على استقرار المراكز القانونية للعدول والمتعاملين معهم.

وفي هذا السياق، أثارت رسالة الإحالة المادة 37 المتعلقة بمسؤولية العدل عن الأضرار الناتجة عن امتناعه عن القيام بواجبه “بدون سبب مشروع”، معتبرة أن المشرع لم يحدد المقصود بالسبب المشروع، الأمر الذي يفتح المجال أمام السلطة التقديرية ويؤثر على مبدأ قابلية القاعدة القانونية للتوقع والاستقرار. كما طعنت المعارضة في المادة 50 الخاصة بإلزامية التلقي الثنائي للعقود، معتبرة أن الإبقاء على هذا النظام بالنسبة للعدول، مقابل إعفاء مهن توثيقية أخرى من الشرط نفسه، يشكل تمييزاً غير مبرر بين المهنيين والمواطنين، ويتعارض مع مبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، خاصة في ظل التطور الرقمي واعتماد البطاقة الوطنية الإلكترونية والخدمات الرقمية في مجال التوثيق والمعاملات العقارية.

وسجلت المعارضة كذلك ملاحظات بخصوص المادة 51 المتعلقة بالشهود، معتبرة أن الاكتفاء بالإشعار الشفوي بشأن الأهلية القانونية دون اعتماد وسائل تحقق مؤسساتية، قد يجعل صحة العقود رهينة بتصريحات قابلة للنزاع، بما يهدد الأمن التعاقدي للمواطنين، فضلاً عن انتقادها لما وصفته بعدم اكتمال نظام التنافي داخل المادة نفسها.

أما المادة 53، فقد أثارت جدلاً بخصوص السماح بتلقي العقد من العاجز عن الكلام أو السمع بواسطة “الإشارة المفهومة” دون إلزامية الاستعانة بخبير مختص، حيث اعتبرت المعارضة أن ذلك قد يعرض فئة من ذوي الاحتياجات الخاصة لمخاطر سوء التأويل أو التدليس، خصوصاً مع استعمال مصطلحات غير محددة قانوناً من قبيل “كل شخص مؤهل”.

وفي ما يتعلق بالمادة 55، اعتبرت المعارضة أن السماح بالاعتماد على نسخة المستند في عمليات التفويت العقاري مقابل إشهاد بضياع الأصل، قد يفتح الباب أمام مخاطر التدليس والاستعمال المزدوج للوثائق، في غياب منظومة رقمية مركزية للتحقق من صحة الوثائق، وهو ما قد ينعكس سلباً على استقرار المعاملات العقارية وحماية حق الملكية.

كما انتقدت المعارضة مقتضيات المادة 63 المتعلقة بالتقييد العقاري، معتبرة أن النص ألزم العدل بإتمام إجراءات التقييد دون إقرار آلية قانونية متزامنة لحفظ الثمن وضمان حقوق المتعاقدين، الأمر الذي قد يعرض المشترين لمخاطر قانونية ومالية مرتبطة بالحجوزات أو التفويتات اللاحقة.

وفي محور آخر، أثارت المعارضة المادة 67 الخاصة بشهادة اللفيف، معتبرة أن الصياغة المتعلقة بعدد الشهود “ذكوراً وإناثاً” تفتقر إلى الوضوح التشريعي، وقد تفتح المجال لتأويلات تمس بمبدأ المساواة بين الجنسين، فضلاً عن أن اشتراط اثني عشر شاهداً يشكل، بحسب الرسالة، عبئاً إجرائياً واجتماعياً على المواطنين، خاصة في المناطق القروية والنائية. كما شمل الطعن المادة 77 المتعلقة بقرارات القاضي المكلف بالتوثيق، حيث اعتبرت المعارضة أن استعمال مصطلح “التظلم” بدل “الطعن” يخلق غموضاً مسطرياً ويمس بضمانات التقاضي الكاملة، خاصة مع حصر حق التظلم في العدول دون أطراف العقد، رغم أنهم أصحاب المصلحة المباشرة في النزاع.

ويرى متابعون أن إحالة هذا القانون على المحكمة الدستورية تعكس حجم الجدل الذي رافق مشروع تنظيم مهنة العدول منذ مناقشته داخل المؤسسة التشريعية، في ظل تباين وجهات النظر بين من يعتبر النص خطوة نحو تحديث المهنة وتطويرها، وبين من يرى أن بعض مقتضياته تحتاج إلى مزيد من الضبط التشريعي والتوازن بين متطلبات التحديث وضمانات الأمن القانوني والتوثيقي.

ومن المرتقب أن تحظى هذه الإحالة باهتمام واسع داخل الأوساط القانونية والمهنية، بالنظر إلى الأهمية التي تحتلها مهنة العدول داخل منظومة التوثيق الرسمي بالمغرب، وارتباطها المباشر بالأمن التعاقدي والعقاري وحماية الحقوق والمعاملات

    

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي