جريدة البديل السياسي |البديل الوطني

بين رحيل حكومة أخنوش وبقاء ملفات نهب المال العام: هل تفتح المنصوري أبواب المحاسبة أم تختار “عفا الله عما سلف”؟

images-1-21

جريدة البديل السياسي

مع اقتراب ولاية حكومة عزيز أخنوش من نهايتها، تتجه الأنظار إلى الإرث المالي والاقتصادي الذي تتركه خلفها، وإلى الطريقة التي ستتعامل بها الحكومة المقبلة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري مع ملفات ظلت تلاحق الأغلبية السابقة طوال خمس سنوات.

 

فمنذ أكتوبر 2021، دخل أخنوش قصر الضيافة وهو يعد بـ”الدولة الاجتماعية” وبأن المغاربة “يستحقون الأفضل”. وبعد خمس سنوات، غادر قبة البرلمان بعد عرض حصيلته الأخيرة، تاركاً أرقاماً يتفاخر بها وأخرى تطارده، وسط جدل لم يتوقف حول حدود الفصل بين مسؤوليته الحكومية ومصالحه الاقتصادية.

 

 

المفارقة البنيوية التي وسمت هذه الولاية ظلت حاضرة: رئيس حكومة يمثل الدولة في التفاوض على صفقات استراتيجية، وهو في الوقت نفسه مالك أكبر شركة محروقات في البلاد. ولم تبق هذه المفارقة نظرية، بل تجسدت في ملفات متتالية، أبرزها صفقة تحلية مياه البحر بالدار البيضاء.

 

 

ففي هذا المشروع، الذي يعد الأكبر من نوعه في المنطقة باستثمار يناهز 6.5 مليارات درهم وقدرة إنتاجية تصل إلى 300 مليون متر مكعب سنوياً، فاز تحالف يضم شركتين مرتبطتين بأخنوش، إلى جانب شركة إسبانية. واعتبرت المعارضة، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، أن وجود شركات محيط رئيس الحكومة في هذا التحالف يطرح شبهة تضارب مصالح.

 

دافع أخنوش عن الصفقة مؤكداً أنها مرّت عبر مساطر تنافسية، لكنه لم يقدم، بحسب منتقديه، معطيات جديدة تنفي الشبهة. ولم تكن صفقة التحلية حالة معزولة، إذ ظل ملف المحروقات أحد أكثر الملفات إثارة للجدل.

 

 

وكشف تقرير لمجلس المنافسة، جرى تداوله خلال الأشهر الماضية، أن الشركات الكبرى في القطاع، ومن بينها شركة مرتبطة بأخنوش، حققت أرباحاً صافية تجاوزت 2.1 مليار درهم، ورفعت توزيعاتها للمساهمين إلى أكثر من 3.7 مليارات درهم، في وقت كان فيه المغاربة يؤدون أسعاراً تفوق بكثير كلفة الاستيراد الدولية.

 

 

وتحدث عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، عن “تواطؤ” و”أرباح وصلت إلى ثلاثة دراهم في اللتر”، مشيراً إلى حكم مجلس المنافسة الذي أدان شركات القطاع بغرامات بسبب ممارسات منافية للمنافسة. كما تحدث تقرير برلماني سابق عن 17 مليار درهم كأرباح “غير شرعية” في هذا القطاع.

 

ثم جاء ملف دعم استيراد المواشي ليفتح جرحاً آخر. وتداولت الأوساط السياسية والإعلامية رقم 13.3 مليار درهم كإعفاءات ضريبية وجمركية منحت لمستوردي الأغنام والأبقار بين 2022 و2024، استفاد منها 277 مستورداً، قبل أن تنفي وزارة الفلاحة هذا الرقم وتؤكد أن الدعم المباشر لم يتجاوز 437 مليون درهم على مدى سنتين.

 

لكن الجدل لم يتوقف عند الأرقام، بل امتد إلى الأسئلة الأصعب: إذا كانت الإعفاءات بهذا الحجم، فلماذا لم تنخفض أسعار اللحوم؟ ولماذا ظل سعر الكيلوغرام عند 120 درهماً، وسعر الخروف بين 6000 و10000 درهم؟ واتهمت المعارضة الحكومة بخلق “ريع مقنّع” لصالح دائرة ضيقة من المستوردين.

 

أما الملف الأكثر إشكالية، فكان تصريح الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، الذي أعلن أن الحكومة أنفقت 280 مليار درهم على دعم القدرة الشرائية خلال خمس سنوات، لكنها كانت “تقريباً دون أثر”. الرقم في حد ذاته صادم، لكن المفارقة الأكبر أن الحكومة نفسها هي التي أقرّت بأن هذا الإنفاق الهائل لم يحقق النتائج المرجوة.

 

وتساءلت “ترانسبيرنسي المغرب” في مراسلة رسمية عن أوجه إنفاق هذه الأموال والقطاعات التي استفادت منها وآليات تتبع أثرها، في وقت يرى فيه منتقدون أن الأولى كان أن تُشرك الحكومة الرأي العام في مراقبة هذا الإنفاق قبل أن تكتشف أنه “بلا أثر”.

 

في المقابل، لا يمكن إنكار أن حكومة أخنوش حققت أرقاماً اقتصادية مهمة. فقد ارتفعت ميزانية الاستثمار في البنية التحتية من 230 مليار درهم سنة 2021 إلى نحو 380 مليار درهم سنة 2026. وأُنجزت 20 مستشفى جديداً بطاقة استيعابية تناهز 3067 سريراً، وأُعيد تأهيل 1400 مركز صحي باستثمار يفوق 6.43 مليارات درهم.

 

كما ارتفعت الطاقة الإنتاجية لتحلية مياه البحر إلى 415 مليون متر مكعب عند متم 2025، مع توقعات ببلوغ 1.7 مليار متر مكعب في أفق 2030. لكن هذه الأرقام، مهما كانت مبهرة، تظل محاصرة بسؤال الثقة: كيف يمكن للمواطن أن يثق في حصيلة حكومة تعلن في الوقت نفسه عن استثمارات ضخمة وعن 280 مليار درهم “بلا أثر”؟

 

هنا يبرز السؤال الذي يطارد فاطمة الزهراء المنصوري منذ تعيينها في 29 شتنبر 2026: هل ستفتح ملفات سلفها، أم ستختار طي الصفحات؟ والمشكلة أن المنصوري نفسها ليست خارج دائرة الشك تماماً، بعدما واجهت في يونيو 2026 شبهات “فساد مالي وعقاري” مرتبطة بعقارات في ضواحي مراكش، نفتها بشكل قاطع.

 

وكتبت تقارير إعلامية في أكتوبر 2026 أن المنصوري “يجب أن تبدأ بتبديد أي لبس حول وضعها المالي وتوضيح طبيعة ممتلكاتها واستثماراتها علناً”، لأن معاملاتها الشخصية والعائلية، خاصة في قطاع العقار، ستكون موضع تدقيق من الإعلام والرأي العام. ثم إن حزبها، الأصالة والمعاصرة، كان شريكاً في حكومة أخنوش طوال خمس سنوات، وهو ما يطرح سؤالاً حول مدى استعدادها لفتح ملفات قد تطال حلفاءها السابقين.

 

المعارضة لا تنتظر. فبنكيران، الذي وصف حصيلة أخنوش بأنها “ما دار فيها ما يصلح”، قال صراحة إن قناعته أن أخنوش “يجب أن يُحاكم”. وعبد الله بووانو، رئيس المجموعة النيابية للعدالة والتنمية، تحدث عن “كوارث الحكومة” و”تضارب المصالح والوقوع في الفساد واستغلال النفوذ”.

 

في المقابل، تبدو الأغلبية الجديدة المرتقبة، التي ستجمع “البام” مع أحزاب الكتلة الديمقراطية القديمة، غير معنية بفتح ملفات شريكتها السابقة. وتحدث أحمد التويزي، رئيس الفريق النيابي للبام، عن “إعادة ضبط الضرائب المفروضة على أرباح تجارة المحروقات” و”مراجعة صندوق المقاصة” و”تشديد الرقابة القانونية على شركات المحروقات”، لكنه لم يتحدث عن محاسبة المسؤولين السابقين.

 

ثم إن المغرب يقف اليوم أمام لحظة سياسية نادرة: لأول مرة، تتولى امرأة رئاسة الحكومة، في بلد لا يزال يعاني من فجوة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات. والمنصوري، التي قالت إن تعيينها “رسالة لجميع نساء المغرب”، تجد نفسها أمام اختبار مزدوج: هل ستثبت أن وجود امرأة على رأس الحكومة يعني قطيعة فعلية مع ممارسات الماضي، أم ستكون مجرد واجهة أنيقة لنفس المنظومة التي أفرزت أخنوش؟

 

فالملفات الثقيلة لا تختفي بمجرد تغيير الحكومة. إنها تنتظر من يجرؤ على فتحها. وفي المغرب، حيث كانت عبارة “عفا الله عما سلف” دائماً الجواب الجاهز لطي الملفات، يبقى السؤال معلقاً: هل ستكون المنصوري رئيسة حكومة “القطع مع الماضي” أم “الاستمرارية”؟

 

والأيام القليلة المقبلة، وتشكيل الفريق الحكومي الجديد، قد تحمل بعض الأجوبة. لكن الأكيد أن 280 مليار درهم “بلا أثر”، وصفقة تحلية مياه فازت بها شركات رئيس الحكومة السابق، وأرباح محروقات تفوق كلفة الاستيراد، لن تختفي من ذاكرة المغاربة بمجرد أن يغادر أخنوش قصر الضيافة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي