جريدة البديل السياسي – بقلم الاستاذ الخضر الورياشي
حين تُباع المكتبة… من ينعى الثقافة؟
لم أقرأ إعلان الأستاذ الخضر الورياشي عن بيع مكتبته الخاصة كخبر عابر، بل قرأته كصفعة مؤلمة على وجه المشهد الثقافي كله. فالمكتبة ليست رفوفاً محشوة بالكتب، بل سنوات من العمر، وذاكرة من القراءة، وشهادة على وفاء نادر للمعرفة في زمن عزّ فيه الأوفياء.
المؤلم ليس أن تُباع الكتب، بل أن يُدفع صاحبها إلى بيعها. والمؤلم أكثر أن يحدث ذلك وسط صمت ثقيل يثير سؤالاً موجعاً: أين أنتم أيها المثقفون؟ أين أنتم أيها المفكرون؟ أين أنتم ممن لا يتوقفون عن الحديث عن الثقافة والتنوير؟ هل يعقل أن يُترك رجل كرّس جزءاً كبيراً من حياته لخدمة الكتاب وحيداً في هذه اللحظة القاسية؟
إن إعلان بيع مكتبة خاصة ليس حدثاً شخصياً، بل مؤشر خطير على حجم التراجع الذي أصاب علاقتنا بالقراءة والمعرفة. إنه نعيٌ صامت لزمن كان الكتاب فيه قيمة، وكان المثقف يحظى بالاحترام، وكانت المكتبات تُبنى لا تُفكك.
أشعر بالحزن لأنني لا أرى في هذا الإعلان بيعاً للكتب، بل أرى فيه خذلاناً للكتاب نفسه. أرى رفوفاً تُفرغ من أرواحها، وذاكرة ثقافية تتشظى أمام أعيننا، بينما يواصل كثيرون الاكتفاء بالخطب والشعارات.
إلى الخضر الورياشي، لك التقدير كله. أما الألم الحقيقي فليس في قرارك، بل في واقع ثقافي جعل من بيع مكتبة أمراً ممكناً، وجعل من الصمت عليها أمراً عادياً. وذلك هو الحزن الأكبر.


تعليقات
0