جريدة البديل السياسي -بدر شاشا
لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد وسائل للتواصل وتبادل المعلومات، بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل الأفكار والسلوكيات والقيم داخل المجتمع. ورغم ما تحمله من إيجابيات في مجال المعرفة والتقارب بين الناس، فإن الواقع الذي نعيشه اليوم يكشف عن أخطاء خطيرة بدأت تنعكس على الأفراد والأسر والمجتمع بشكل عام. فهذه المنصات التي كان يفترض أن تقرب الناس من بعضهم البعض أصبحت في كثير من الأحيان سبباً في نشر الحسد والكراهية والصراعات النفسية والاجتماعية، وأصبحت تساهم في خلق جيل يعيش داخل عالم افتراضي بعيد عن حقيقة الحياة.
لقد أصبح الإنسان يقضي ساعات طويلة في متابعة حياة الآخرين، يراقب نجاحاتهم وصورهم وسفرهم وممتلكاتهم، فيقارن حياته البسيطة بما يشاهده على الشاشة. ومع مرور الوقت يفقد الشعور بالقناعة ويبدأ الاعتقاد بأن الجميع يعيش حياة أفضل منه، رغم أن ما ينشر على مواقع التواصل لا يمثل سوى جزء صغير ومختار بعناية من الواقع. وهكذا تتحول المقارنة إلى مرض اجتماعي يقتل الرضا ويزرع الإحباط داخل النفوس.
ومن أكبر الأخطاء التي ساهمت هذه المنصات في نشرها ربط قيمة الإنسان بما يملكه من مال أو شهرة أو عدد المتابعين. فأصبح البعض يقيس النجاح بعدد الإعجابات والمشاهدات بدل قياسه بالأخلاق والعلم والعمل والاجتهاد. وأصبح كثير من الشباب يحلمون بالشهرة السريعة دون بذل الجهد الحقيقي في الدراسة أو التكوين أو اكتساب المهارات، لأنهم يشاهدون نماذج تحقق انتشاراً واسعاً دون تقديم قيمة حقيقية للمجتمع.
كما ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في نشر ثقافة الاستعراض والتفاخر، حيث أصبح البعض يعيش من أجل تصوير حياته بدل عيشها. فهناك من يقترض المال من أجل السفر أو شراء أشياء لا يحتاجها فقط لإظهار صورة مثالية أمام الآخرين. وبهذا انتقلت المنافسة من ميادين العمل والإبداع إلى ميادين المظاهر والاستهلاك، وهو تحول خطير يهدد القيم الأصيلة التي كانت تقوم على التواضع والصدق والقناعة.
ولا يمكن تجاهل الدور الذي لعبته هذه المنصات في نشر الكراهية والتنمر والإشاعات. فبضغطة زر يمكن تشويه سمعة شخص أو نشر خبر كاذب أو إطلاق حملة من السخرية والسب والشتم. وقد أصبح البعض أكثر جرأة في الإساءة إلى الآخرين خلف الشاشات مما هم عليه في الواقع، لأن العالم الرقمي منحهم شعوراً زائفاً بعدم المسؤولية. والنتيجة هي ارتفاع مستوى التوتر والعداوة داخل المجتمع وتراجع ثقافة الحوار والاحترام المتبادل.
أما الأسرة فقد أصبحت من أكبر المتضررين من هذا الواقع. ففي الوقت الذي كان أفراد الأسرة يجلسون فيه للحوار وتبادل الأفكار، أصبح كل واحد منهم يعيش داخل عالمه الرقمي الخاص. وضعفت العلاقات الإنسانية المباشرة وحلت محلها علاقات افتراضية هشة. كما أن الأطفال أصبحوا يتعلمون من المؤثرين أكثر مما يتعلمون من الآباء والمعلمين، وهو أمر يثير الكثير من القلق عندما تكون الرسائل التي يتلقونها قائمة على الاستهلاك والسطحية والبحث عن الشهرة.
وفي مجال التعليم، ساهم الإفراط في استعمال مواقع التواصل في إضعاف التركيز وتشتيت الانتباه وتقليص الاهتمام بالقراءة والمعرفة العميقة. فقد تعود الكثير من الشباب على المحتوى السريع والمختصر، وأصبح من الصعب عليهم الصبر على كتاب أو بحث أو درس يحتاج إلى التفكير والتحليل. وهذا الأمر يشكل تحدياً حقيقياً أمام بناء أجيال قادرة على الإبداع والإنتاج العلمي.
إن الخطر الحقيقي لمواقع التواصل الاجتماعي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها، بل في الطريقة التي يتم بها استخدامها وفي غياب الوعي الكافي بمخاطرها. فالتكنولوجيا أداة يمكن أن تكون وسيلة للعلم والتطور كما يمكن أن تكون وسيلة للضياع والانحراف. لكن ما نعيشه اليوم يجعلنا ندق ناقوس الخطر أمام انتشار قيم زائفة تقوم على المظاهر والمقارنات والحسد والبحث المستمر عن قبول الآخرين.
إن المجتمع الذي يفقد القناعة والاحترام والتضامن ويستبدلها بثقافة الاستعراض والمنافسة المرضية هو مجتمع مهدد بفقدان توازنه الأخلاقي والإنساني. ولذلك فإن مسؤولية الأسرة والمدرسة والمؤسسات الإعلامية أصبحت أكبر من أي وقت مضى من أجل ترسيخ الوعي لدى الأجيال الجديدة، حتى تدرك أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد متابعيه ولا بحجم ما يعرضه على الشاشة، بل بما يحمله من أخلاق وعلم وعمل نافع للمجتمع. فالأمم لا تبنى بالمظاهر، وإنما تبنى بالقيم والمعرفة والإنسان الواعي القادر على التمييز بين الحقيقة والوهم.


تعليقات
0