جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

مستقبلي مجهول…التعليم العمومي والبطالة: هل أصبح الشباب المغربي ضحية أزمة تعليم أم أزمة مستقبل؟ بقلم باحث مغربي بدر شاشا

imresizer-1696453276055-600×445

جريدة البديل السياسي 

مستقبلي مجهول…التعليم العمومي والبطالة: هل أصبح الشباب المغربي ضحية أزمة تعليم أم أزمة مستقبل؟

 

بقلم باحث مغربي بدر شاشا 

 

أصبح موضوع التعليم العمومي في المغرب من أكثر القضايا التي تثير النقاش داخل المجتمع، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بالمدرسة أو الشهادة، بل بمستقبل جيل كامل يعيش القلق والضياع والخوف من البطالة والتهميش. فالكثير من الشباب المغربي اليوم يشعر أن سنوات طويلة من الدراسة لم تمنحه المكانة التي كان يحلم بها، ولم توفر له عملاً كريماً أو استقراراً اجتماعياً، بل وجد نفسه بعد التخرج أمام واقع صعب مليء بالإحباط والانتظار.

 

في الماضي، كان التعليم يعتبر وسيلة حقيقية للترقي الاجتماعي، وكانت الأسرة المغربية تضحي بكل شيء حتى يدرس الأبناء ويحصلوا على وظيفة محترمة. كان الأب يرى في المدرسة أملاً للخروج من الفقر والتعب، وكانت الشهادة تمثل مفتاح المستقبل. أما اليوم، فقد بدأت هذه الصورة تهتز بقوة، لأن آلاف الشباب يحملون شهادات مختلفة لكنهم يعيشون البطالة والفراغ واليأس.

 

المشكلة لا تعني أن التعليم العمومي وحده مسؤول عن كل شيء، لكن هناك أزمة حقيقية يعيشها هذا القطاع أثرت بشكل مباشر على جودة التكوين وعلى مستقبل الشباب. فالكثير من التلاميذ والطلبة يدرسون سنوات طويلة دون اكتساب مهارات حقيقية يحتاجها سوق الشغل. هناك تركيز كبير على الحفظ النظري، وضعف في التطبيق والتكوين العملي، وضعف في تعلم اللغات والتكنولوجيا والتواصل والمهارات الحديثة.

 

كثير من الشباب يتخرج وهو لا يعرف كيف يكتب سيرة ذاتية قوية، أو كيف يجتاز مقابلة عمل، أو كيف يستعمل برامج وتقنيات مطلوبة داخل الشركات. وهنا تظهر الفجوة الكبيرة بين المدرسة وسوق العمل.

 

كما أن الاكتظاظ داخل الأقسام، وضعف الإمكانيات، وتراجع مستوى التوجيه، كلها عوامل جعلت جزءاً من التلاميذ يفقدون الحافز والرغبة في الدراسة. بعضهم يدخل المدرسة فقط للحصول على نقطة أو شهادة، دون أن يشعر أن التعليم يصنع منه إنساناً قادراً على بناء مستقبله.

 

وفي المقابل، هناك تفاوت واضح بين التعليم العمومي والخاص. فبعض الأسر الميسورة تستطيع توفير تعليم أفضل لأبنائها، بينما أبناء الطبقات الفقيرة يعتمدون بشكل شبه كامل على المدرسة العمومية التي تعاني أصلاً من مشاكل عديدة. وهذا يخلق شعوراً بعدم تكافؤ الفرص داخل المجتمع.

 

البطالة بدورها زادت من فقدان الثقة في التعليم. حين يرى الشاب أشخاصاً يحملون شهادات جامعية عاطلين لسنوات، يبدأ في طرح أسئلة مؤلمة: ما فائدة الدراسة؟ ما فائدة جامعات كثيرة تفرغ كل سنة آلاف الخريجين نحو الشارع والبطالة؟ ما فائدة شهادات تعلق على الجدران بينما أصحابها يعيشون الإحباط والانتظار؟

 

لقد أصبح بعض الشباب يشعر أن الجامعة تحولت عند البعض إلى محطة لإنتاج البطالة الجماعية بدل إنتاج الكفاءات والابتكار. فكل سنة تتخرج أعداد كبيرة في تخصصات لا يجد أصحابها فرص عمل حقيقية، بينما سوق الشغل يحتاج مهارات مختلفة مرتبطة بالتكنولوجيا والصناعة واللغات والتكوين التطبيقي.

 

وهنا تظهر الأزمة الحقيقية: هناك انفصال واضح بين الجامعة والواقع الاقتصادي. فبدل أن تكون الجامعة فضاء لصناعة الحلول والأفكار والمشاريع، أصبحت عند كثير من الشباب مجرد طريق طويل نحو المجهول.

 

هذا الإحباط دفع بعض الشباب نحو الهجرة السرية، أو العمل غير المهيكل، أو الإدمان الرقمي، أو المراهنات، أو الانعزال النفسي. لأن الإنسان حين يفقد الشعور بقيمة مستقبله، يصبح أكثر عرضة للضياع والانهيار الداخلي.

 

كما أن المدرسة لم تعد تقوم دائماً بدورها التربوي كما ينبغي. فالتعليم ليس فقط مواد ودروساً، بل أيضاً بناء شخصية، وأخلاق، وثقة بالنفس، وانضباط، وروح مسؤولية. لكن كثيراً من التلاميذ اليوم يغادرون المؤسسات التعليمية وهم يحملون فراغاً فكرياً ونفسياً، دون رؤية واضحة للحياة أو للمستقبل.

 

ومع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الشباب يعيش صراعاً إضافياً. فهو يرى على الإنترنت نماذج للنجاح السريع والمال السهل والشهرة السريعة، بينما واقعه الدراسي يبدو بطيئاً ومتعباً وغير مضمون النتائج. وهذا ما جعل البعض يفقد الصبر على التعلم والعمل الجاد.

 

لكن رغم كل هذه المشاكل، لا يمكن اعتبار التعليم عدواً للشباب، لأن أي مجتمع بدون تعليم قوي لن يستطيع التقدم. المطلوب اليوم ليس مهاجمة المدرسة فقط، بل إصلاحها بعمق وربطها بحاجيات العصر وسوق الشغل الحقيقي.

 

المغرب يحتاج إلى تعليم حديث يصنع الكفاءة لا فقط الشهادات. تعليم يربط الطالب بالتكنولوجيا، واللغات، والابتكار، وريادة الأعمال، والتفكير النقدي، والتكوين المهني الحقيقي. كما يحتاج الشباب إلى توجيه أفضل يساعدهم على اكتشاف قدراتهم بدل دفع الجميع نحو نفس المسارات التقليدية.

 

الاستثمار الحقيقي لأي دولة ليس فقط في الطرق والبنايات، بل في الإنسان. لأن الشباب إذا ضاع، ضاع معه المستقبل كله.

 

إن أزمة التعليم ليست مجرد أزمة مدرسة أو جامعة، بل أزمة مجتمع كامل يبحث عن نموذج تنموي عادل يعطي للشباب فرصة حقيقية للحياة الكريمة والعمل والإبداع. فالشباب المغربي لا يريد المستحيل، بل يريد فقط أن يشعر أن جهده ودراسته وتعبه لن يضيعوا في النهاية.

 

حين يصبح الطالب خائفاً من مستقبله بدل أن يكون متحمساً له، فهذه إشارة خطيرة يجب أن يتوقف عندها الجميع. لأن الأمم القوية تُبنى بالعقول، والتعليم هو أساس كل نهضة حقيقية.

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي