جريدة البديل السياسي – نورالدين عمار.
في دوار الجوابرة التابع لجماعة الغنادرة، لم يعد البناء العشوائي مجرد خرق معزول لقانون التعمير، بل تحول إلى مشهد يومي يثير الاستغراب والسخرية في آن واحد. فكل يوم ترتفع جدران جديدة، وتظهر بنايات إضافية، وتتوسع الأوراش أمام أنظار الجميع، وكأن المنطقة أصبحت خارج مجال تطبيق القانون، أو كأن النصوص التنظيمية الموجودة في المملكة لا تعني هذا الجزء من التراب الوطني.
الغريب أن السلطات المحلية تتوفر قانوناً على صلاحيات واسعة لرصد المخالفات منذ بدايتها، وإيقاف الأشغال المخالفة فوراً قبل أن تتحول إلى أمر واقع. لكن ما يحدث بدوار الجوابرة يوحي بأن البناء العشوائي يشتغل براحة أكبر من بعض الإدارات المكلفة بمحاربته، وأن المخالفات أصبحت أسرع من محاضر المعاينة وأقوى من قرارات الهدم والزجر.
فإذا كانت السلطة المحلية تؤكد باستمرار أن مراقبة التعمير من صميم اختصاصاتها، فكيف أمكن لهذه البنايات أن تظهر وتتمدد وتكتمل؟ وإذا كان أعوان السلطة مطالبين بالتبليغ الفوري عن المخالفات، فهل تم إنجاز التقارير اللازمة؟ وإذا أنجزت فعلاً، فأين ذهبت؟
ومن اتخذ القرار بعدم تفعيلها؟ وإذا لم تنجز أصلاً، فمن يتحمل مسؤولية هذا التقصير؟ أما جماعة الغنادرة، باعتبارها طرفاً أساسياً في تدبير المجال الترابي، فهي بدورها مطالبة بتوضيح موقفها للرأي العام المحلي.
فالمواطنون من حقهم أن يعرفوا كيف يتمدد البناء العشوائي بهذا الشكل، وكيف تتحول الأراضي إلى أوراش مفتوحة دون أن يسمعوا عن إجراءات حازمة أو قرارات رادعة تضع حداً لهذا النزيف العمراني. وإذا كانت القيادة مطالبة بالمراقبة اليومية، والجماعة مطالبة بحماية المجال الترابي، فإن المسؤولية الإدارية والسياسية الأوسع تظل مطروحة على مستوى عمالة إقليم سيدي بنور.
وهنا يبرز السؤال الذي يتردد بقوة وسط الساكنة: أين عامل الإقليم مما يجري؟ وهل تصله الصورة الحقيقية لما يقع على الأرض؟ أم أن التقارير المرفوعة إليه ترسم واقعاً مثالياً لا علاقة له بما يشاهده المواطنون يومياً؟ إن حجم الخروقات المتداولة محلياً يفرض تدخلاً مباشراً من عامل الإقليم، ليس فقط من أجل إيقاف المخالفات المحتملة، بل من أجل تحديد المسؤوليات وترتيب الجزاءات القانونية والإدارية عند الاقتضاء.
فاستمرار الوضع على حاله لا يسيء فقط إلى صورة الإدارة، بل يضرب في العمق مبدأ المساواة أمام القانون.
الأخطر من ذلك أن انتشار البناء العشوائي يتزامن مع أجواء سياسية وانتخابية تسبق الاستحقاقات المقبلة، وهو ما يفتح الباب أمام أسئلة لا يمكن تجاهلها. فهل أصبح التغاضي عن بعض المخالفات وسيلة لكسب الولاءات واستمالة الناخبين؟
وهل تحولت بعض التجاوزات إلى أوراق انتخابية غير معلنة يتم توظيفها في صمت؟ أم أن الأمر مجرد صدفة زمنية تفرض على الجهات المختصة التدخل لتبديد الشكوك وقطع الطريق أمام كل التأويلات؟ وفي ظل هذا الواقع، تتجه الأنظار نحو وزارة الداخلية باعتبارها الجهة الوصية على الإدارة الترابية.
فهل ستقرر الوزارة إيفاد لجنة مركزية إلى إقليم سيدي بنور للوقوف على حقيقة ما يجري؟ وهل ستفتح تحقيقاً شاملاً في ملف البناء العشوائي داخل نفوذ قيادة الغنادرة، وفي عدد من الجماعات التي يشتكي مواطنوها من الظاهرة نفسها؟ أم أن الملف سيبقى رهين التقارير الورقية والاجتماعات المغلقة إلى أن يصبح البناء المخالف أمراً واقعاً يستحيل التراجع عنه؟
إن القضية لم تعد مرتبطة ببنايات إسمنتية فقط، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لهيبة الدولة ولمصداقية مؤسساتها. فحين يرى المواطن أن القانون يطبق بصرامة على البعض ويتسامح مع آخرين، فإن أول ضحية تكون هي الثقة في الإدارة وفي العدالة المجالية.
اليوم، المطلوب ليس بيانات التبرير ولا تبادل المسؤوليات بين المتدخلين، بل إجراءات واضحة وشفافة تكشف للرأي العام حقيقة ما يجري. المطلوب مساءلة كل جهة بحسب اختصاصها: السلطة المحلية عن المراقبة، والجماعة عن حماية المجال الترابي، والمصالح التقنية عن التتبع والمعاينة، والعمالة عن التنسيق والتدخل والحزم في فرض احترام القانون. ملف دوار الجوابرة لم يعد مجرد خبر محلي عابر، بل أصبح عنواناً لسؤال أكبر: هل ما زالت الدولة قادرة على فرض القانون قبل أن يفرض البناء العشوائي نفسه كسلطة موازية فوق الأرض؟ ولأن الصحافة لا تملك سلطة القرار، لكنها تملك واجب السؤال، فإننا نعيد طرحه بوضوح: من المسؤول عن هذا التمدد العمراني غير القانوني؟
ومن سيوقفه؟ ومن سيحاسب المقصرين إن ثبت وجود تقصير؟ وهل سيتدخل عامل إقليم سيدي بنور ووزارة الداخلية قبل أن تتحول الفوضى إلى واقع دائم يصعب اقتلاعه؟ أسئلة حارقة تنتظر أجوبة أكثر حرارة، ولنا عودة إلى هذا الملف، وإلى ما يصفه فاعلون محليون باختلالات خطيرة ومسكوت عنها داخل نفوذ قيادة الغنادرة، حيث يبدو أن الإسمنت يتكلم أكثر مما تتكلم التقارير، وأن البنايات ترتفع أسرع من وتيرة تطبيق القانون.


تعليقات
0