جريدة البديل السياسي
بقلم الاستاذ: مولاي الحسن بنسيدي علي
ستون عامًا وأنا أحمل على عينيَّ ثقل نظارتي السميكة، أتنقل بها بين محطات العمر، أستعين بها على رؤية الحياة، حتى غدت جزءًا من ملامحي وتفاصيل أيامي. كنت إذا فقدتها لحظة شعرت كأن الدنيا قد أغلقت أبواب نورها في وجهي، فأعيش عتمةً لا يبددها إلا عودتها.

ومنذ طفولتي، كان قِصر النظر يرافقني كظلٍّ ثقيل؛ ففي قاعة الدرس كنت أقوم إلى السبورة مرارًا لأتبين كلمة أو أسجل حرفًا، ثم أعود إلى مقعدي بين همسات التلاميذ ونظرات الشفقة أحيانًا والسخرية أحيانًا أخرى. وكان حلمي، كحلم كثير من شباب جيلي، أن ألتحق بصفوف القوات المسلحة الملكية أو المديرية العامة للأمن الوطني، غير أن ضعف بصري كان يقف حاجزًا بيني وبين ذلك الطموح، رغم نجاحي في الامتحانات واجتهادي المتواصل.
ومضت السنون مسرعة، حتى بلغت سن التقاعد، فإذا بالبصر يزداد وهنًا، والرؤية تضيق شيئًا فشيئًا، حتى خالجني خوف عميق من أن أعجز عن إتمام رسالتي الجامعية التي قطعت فيها شوطًا معتبرًا. وبين اليأس والرجاء قصدت عيادة البروفسور الدكتور صلاح أرناو، وكلّي أمل أن أستعيد ولو قبسًا يسيرًا من نعمة الإبصار.
استقبلني الرجل بوجهٍ بشوش، وعناقٍ صادق، وكلماتٍ ملؤها الطمأنينة والإيمان، قائلاً: “لا عليك يا مولاي الحسن، بإذن الله سيعود إليك بصرك كأنك شاب في مقتبل العمر.” فكان لكلماته وقع البلسم على النفس قبل أن يكون للعلاج أثره على العين.
أجريت العملية الأولى على العين اليمنى، فجاءت نتائجها مبشرة، وبعد خمسة عشر يومًا خضعت للعملية الثانية على العين اليسرى. وعندما عدت للمراجعة بعد أسبوع، أزال الدكتور الضمادة، وتأمل عينيَّ مطولاً، ثم ارتسمت على محياه ابتسامة رضا وقال: “الحمد لله على سلامتك… لقد أكرمك الله واستعدت بصرك.”
في تلك اللحظة، لم تسعني الفرحة، وشعرت أن الدنيا استعادت ألوانها من جديد. وحين هممت بتقبيل رأسه عرفانًا وامتنانًا، استغفر الله وقال بتواضع المؤمن الصادق: “اشكر الله أولاً، فنحن الأطباء مجرد سبب من الأسباب التي يسخرها الله لعباده.”
فقلت من أعماق قلبي: نعم بالله… ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله.
ومن هذا المقام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير والعرفان إلى البروفسور الدكتور صلاح أرناو، وإلى طاقمه الطبي والإداري والتقني المتميز، كلٌّ باسمه وصفته الدكتور بوقصري: والممرضة سميرة، والممرضة حياة، وأسماء، والأستاذ حسام معيوة بما عُرف عنهم من طيبة ولباقة، والأستاذ ربيع، والاستاذ هيثم وسائر العاملين بالمصحة، الذين جسدوا أسمى معاني الإنسانية وحسن المعاملة والرعاية.
كما أحيي بكل تقدير الأطباء الأكفاء والنزهاء بمدينة الناظور الحبيبة، الذين يحملون رسالة الطب بضمير حي، ويجعلون من المهنة رسالة رحمة قبل أن تكون عملاً ووظيفة.
فجزاهم الله خير الجزاء، وأدام عليهم نعمة الصحة والتوفيق، وجعل ما يقدمونه من خدمة للناس في ميزان حسناتهم.


تعليقات
0