جريدة البديل السياسي
تشهد أروقة مجلس الأمن الدولي تحولاً استراتيجياً هو الأبرز في مسار النزاع الإقليمي حول الصحراء المغربية؛ إذ كشفت مصادر دبلوماسية عن مسودة قرار وزعتها الولايات المتحدة الأمريكية، بصفتها حاملة القلم، مؤرخة في 20 أكتوبر 2026، تكرس مقترح الحكم الذاتي المغربي “إطاراً وحيداً” للمفاوضات، وتدشن منعطفاً تاريخياً باقتراح تعديل اسم ولاية البعثة الأممية “المينورسو” وحذف أي إشارة إلى خيار “الاستفتاء”.
وتأتي هذه التحركات قبيل انتهاء الولاية الحالية للبعثة الأممية في 31 أكتوبر الجاري، حيث تدعو واشنطن الأطراف المعنية إلى الانخراط الفوري وبحسن نية في العملية السياسية استناداً إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها الرباط عام 2007 وعملت على تحديثها وتوسيعها مؤخراً.
التحول الأكثر إثارة للجدل في الوثيقة الأمريكية يتمثل في اقتراح إعادة تسمية البعثة من “بعثة الأمم المتحدة لتنظيم استفتاء في الصحراء الغربية” (MINURSO) إلى “بعثة الأمم المتحدة في الصحراء الغربية” (MINUSO)؛ وهي خطوة تعكس على المستوى الهيكلي والمفاهيمي القطيعة النهائية للمنتظم الدولي مع أطروحة الاستفتاء غير القابلة للتطبيق، وتحويل دور البعثة إلى دعم المسار السياسي ومراقبة الاستقرار الميداني.
كما أشادت المسودة بالدور الفاعل والديناميكي الذي قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الدفع بجهود التسوية إلى الأمام، بما يعزز الرؤية القائمة على حصرية مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لإنهاء النزاع الممتد لنصف قرن.
ويتزامن الطرح الأمريكي مع تقرير حديث للأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، اعتمدته الجمعية العامة، يوصي بتمديد ولاية البعثة لسنة كاملة تنتهي في 31 أكتوبر 2027، محذراً من أن أي فراغ ميداني قد يشعل فتيل التصعيد العسكري في المنطقة.
وكشف تقرير غوتيريش معطيات نوعية تفيد بأن جولات المفاوضات التي استضافتها العاصمتان واشنطن ومدريد جرت برمتها على أرضية مقترح الحكم الذاتي، وتجاوزت المبادئ العامة لتناقش تفاصيل دقيقة تتعلق بمشروع “النظام الأساسي للحكم الذاتي”، الذي كان المغرب قد بلوره في صيغة محدثة ومكتملة في يناير 2026.
وتستند المسودة الأمريكية الجديدة إلى الزخم السياسي والقانوني الذي أفرزه القرار رقم 2797، الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025؛ وهو القرار الذي نال تأييد 11 صوتاً (مع امتناع روسيا والصين وباكستان، ومقاطعة الجزائر)، وشكل سابقة بوصفه الحكم الذاتي الحقيقي تحت السيادة المغربية بأنه “الحل الأنجع والواقعي”.
هذا التوجه تعزز أيضاً داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث صادقت لجنتها الرابعة بأغلبية ساحقة (152 صوتاً مقابل صوتين معارضين و7 امتناعات) على قرار تضمن إحالة صريحة على القرار 2797 والمبادرة المغربية، على الرغم من تمسك الصياغة العامة للجنة بالعبارات التقليدية حول “تقرير المصير والتسوية المتوافق عليها”، وهو ما يعكس تباين الإيقاع بين التوجه المتقدم لمجلس الأمن والبيروقراطية الموروثة للجمعية العامة.
ورغم هذا الاختراق الدبلوماسي لصالح الرؤية المغربية والمدعوم أمريكياً، تؤكد التحليلات أن مسار التنزيل لا يزال يواجه تحديات جوهرية؛ إذ تبدي جبهة البوليساريو ومعها الجزائر مقاومة شرسة للتخلي عن مطلب الاستفتاء، مع تمسكهما بتعريف مغاير لمفهوم “تقرير المصير” وشروط تمثيل السكان.
وتتجه أنظار المجتمع الدولي نحو الجلسة المرتقبة لمجلس الأمن متم شهر أكتوبر الجاري؛ حيث سيكون التصويت على المسودة الأمريكية بمثابة اختبار نهائي لمدى قدرة القوى الدولية الكبرى على تحويل مشروع “الحكم الذاتي الحصري” إلى مسار أممي ملزم ومكتمل الأركان يُنهي هذا النزاع الإقليمي بشكل لا رجعة فيه.


تعليقات
0