جريدة البديل السياسي -ذ. زهير أصدور محام بهيئة الرباط
نفاذ القانون لا ينهي النقاش… المحاماة بين قوة النص ومشروعية المقاومة المهنية
من أخطر الاختزالات التي يمكن أن تصيب النقاش القانوني أن يتحول نفاذ القانون إلى حجة لإغلاق النقاش حوله، وكأن نشر النص في الجريدة الرسمية يمنحه، إلى جانب قوته الإلزامية، حصانة سياسية ودستورية ومهنية تجعله بمنأى عن النقد والمطالبة بالتعديل.
والحال أن دولة القانون لا تقوم على هذه الفكرة. صحيح أن القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة صدر الأمر بتنفيذه، ونشر في الجريدة الرسمية، وأصبح نافذا وفق المقتضيات المحددة فيه. وهذه حقيقة قانونية لا موجب لإنكارها ولا فائدة من القفز عليها.
كما أن مسألة توقيع الظهير بالعطف ينبغي أن توضع في إطارها الدستوري الصحيح. فالفصل 42 من الدستور يجعل الأصل أن توقع الظهائر بالعطف من قبل رئيس الحكومة، باستثناء الحالات التي حددها الدستور، بينما ينظم الفصل 50 إصدار الأمر بتنفيذ القانون بعد تمام الموافقة عليه. وبالتالي، فإن توقيع رئيس الحكومة بالعطف لا يعني أن القانون أصبح قانونا صادرا عن رئيس الحكومة، ولا ينفي الطبيعة الدستورية لظهير الأمر بتنفيذه.
لكن من هنا يبدأ النقاش الحقيقي، ولا ينتهي. فالاعتراف بأن القانون نافذ شيء، والقول إن نفاذه أسقط حق المحامين ومؤسساتهم في الاعتراض عليه والمطالبة بمراجعته شيء آخر تماما.
القانون النافذ ليس قانونا مقدسا، ولو كان مجرد دخوله حيز التنفيذ يغلق النقاش بشأنه، لما عرفت الأنظمة الديمقراطية تعديل القوانين ونسخها، ولما أمكن لأغلبية برلمانية جديدة مراجعة تشريعات أصدرتها أغلبية سابقة، ولما كان للرقابة الدستورية أو للنقاش المجتمعي حول التشريع أي معنى.
فاحترام القانون شيء، وتحويله إلى نص غير قابل للنقد أو المراجعة شيء آخر. بل إن الدستور نفسه، وهو يجعل القانون ملزما للجميع، يجعل دستورية القواعد القانونية وتراتبيتها من أسس النظام القانوني. ومن ثم فإن نفاذ النص يرتب آثاره القانونية، لكنه لا يمنحه شهادة أبدية بالصواب أو الملاءمة أو الانسجام الكامل مع الدستور.
وهذه المسألة تكتسي أهمية خاصة في حالة القانون رقم 66.23. فالمحكمة الدستورية لم تصرح بأن القانون مطابق للدستور. ولم تفحص مواده ثم ترفض الاعتراضات المثارة بشأنها. ولم تقل إن المآخذ الدستورية التي أثيرت حوله غير مؤسسة.
قرارها رقم 277/26 م.د الصادر في 10 غشت 2026 انتهى إلى تعذر البت في الإحالة، بعدما تبين لها أن الجهة المحيلة لم ترفق الإحالة بنسخة مطابقة لأصل النص النهائي المراد إخضاعه للرقابة، وهو ما اعتبرته المحكمة مانعا قانونيا يحول دون النظر في دستورية النص.
وهناك فرق جوهري بين قرار يقول إن القانون مطابق للدستور، وقرار يقول إن المحكمة لم تتمكن أصلا من فحص دستوريته.
فالامتناع عن البت بسبب خلل في شروط الإحالة لا يمكن تحويله، منطقيا أو قانونيا، إلى شهادة بدستورية جميع مقتضيات النص.
ثم يقال أحيانا: من يرى أن بعض مقتضيات القانون غير دستورية فليسلك طريق الدفع بعدم الدستورية. وهذا القول يبدو سليما في التجريد، لكنه يصطدم بالواقع القانوني الحالي.
فالفصل 133 من الدستور أحدث آلية الدفع بعدم دستورية قانون، غير أن القانون التنظيمي رقم 35.24 المنظم لهذه الآلية نص صراحة في مادته 31 على أن دخوله حيز التنفيذ لا يتم إلا بعد انصرام أجل أربعة وعشرين شهرا من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، وقد صرحت المحكمة الدستورية بمطابقة هذا التأجيل للدستور.
وبالتالي، فإن طريق الدفع بعدم الدستورية ليس اليوم آلية متاحة عمليا يمكن ببساطة مطالبة المعترضين بسلوكها.
وهذا معطى مهم، لأن دولة القانون لا تطلب من المواطن أو المهني استعمال طريق قضائي قبل أن يصبح هذا الطريق نفسه مفتوحا قانونا.
لكن القضية في جوهرها أوسع من ذلك. فالمحامون لا ينازعون في وجود القانون على صفحات الجريدة الرسمية، ولا يحتاج أهل القانون إلى من يشرح لهم أثر النشر أو مفهوم النفاذ.
السؤال الحقيقي هو: هل يؤدي نشر القانون ونفاذه إلى سقوط الحق في الاحتجاج عليه والمطالبة بتغييره؟ الجواب لا يمكن أن يكون بالإيجاب.
فالتوقف المهني لا يمحو القانون من المنظومة القانونية، ولا يلغي الظهير، ولا يحول المؤسسات المهنية إلى سلطة تشريعية موازية.
إنه وسيلة ضغط جماعية تتخذها مؤسسات مهنية في سياق نزاع حول قانون تعتبر أنه يمس بتوازنات أساسية في المهنة وباستقلال الدفاع.
قد يختلف الناس حول هذه الوسيلة. وقد يناقشون مدتها وجدواها وآثارها على المتقاضين وعلى سير العدالة. وهذا نقاش مشروع.
لكن لا يصح الانتقال من مناقشة الوسيلة إلى نفي أصل الحق في الاعتراض، ولا إلى اعتبار كل مقاومة مهنية لقانون نافذ خروجا عن دولة القانون.
فلو صح ذلك، لكان كل إضراب أو احتجاج نقابي أو مهني ضد تشريع قائم عملا غير مشروع لمجرد أن القانون موضوع الاحتجاج أصبح نافذا. وهذا لا يستقيم مع منطق المجتمعات الديمقراطية.
الديمقراطية لا تنتهي عند باب البرلمان. فالبرلمان يشرع، لكن المجتمع يحتج ويقترح ويضغط ويناقش، ثم تعود السياسة إلى المؤسسات لتقرر ما إذا كان النص يحتاج إلى التعديل. وهكذا تتطور القوانين.
والمحاماة ليست مجرد قطاع مهني عادي، فهي جزء من بنية العدالة، والمحامي يمارس وظيفة مرتبطة بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة والولوج إلى القضاء.
ولهذا فإن استقلال المحامي وهيئاته المهنية لم يعد شأنا داخليا للمهنة، بل أصبح جزءا من المعايير الدولية المرتبطة بسيادة القانون.
فالمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن دور المحامين تقر بحق المحامين في حرية التعبير والاجتماع وتكوين الجمعيات والمشاركة في النقاش العمومي المتعلق بالقانون وإدارة العدالة، كما تؤكد أهمية الهيئات المهنية المستقلة. كما تجعل المبادئ الأوروبية لاستقلال المحاماة والتنظيم الذاتي للمهنة من العناصر الجوهرية لحسن سير العدالة.
وهذه المبادئ لا تمنح المحامين سلطة فوق البرلمان، ولا تمنح هيئاتهم حق الاعتراض النهائي على كل تشريع لا يعجبها.
لكنها تعني أن تنظيم مهنة المحاماة لا ينبغي أن يعامل باعتباره مجرد ملف إداري تتصرف فيه السلطة التنفيذية بمعزل عن استقلال الدفاع وعن الهيئات التي تمثل المهنة.
ومن هنا، فإن تصوير الأزمة الحالية باعتبارها مواجهة بين المحامين والدولة قراءة غير سليمة.
المحامون ليسوا ضد الدولة. والمحاماة ليست قوة خارجة عن مؤسساتها. بل إن المحامين جزء من منظومة العدالة، ومن أكثر الفئات التصاقا بالدولة والقانون والمؤسسات.
الخلاف قائم حول اختيار تشريعي، وحول طريقة تدبير حكومي، وحول مقتضيات مهنية يرى المحامون أنها لا تحقق الضمانات الضرورية لاستقلال مهنتهم.
والفصل بين الدولة والحكومة هنا ضروري. فالحكومات تتغير. والأغلبيات تتغير. والقوانين تعدل. أما الدولة بمؤسساتها وثوابتها فتبقى أوسع من حكومة أو وزير أو أغلبية برلمانية.
ومن ثم، لا ينبغي إقحام المؤسسة الملكية في خلاف مهني مع الحكومة، كما لا ينبغي استعمال صدور الأمر بتنفيذ القانون وكأنه حجة تمنع المطالبة بمراجعته.
فالملك، بمقتضى الدستور، يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، ويمارس اختصاصاته الدستورية ضمن البناء العام للدولة، ولا يستقيم جعل المؤسسة الملكية طرفا في نزاع بين الحكومة وفئة مهنية حول مضمون قانون عادي.
لذلك فإن الموقف الأكثر اتزانا هو أن نقول الأشياء كما هي: القانون نافذ. لكن الأزمة لم تنته. والمحامون لهم الحق في مواصلة المطالبة بتعديله.
والحكومة، التي يسند إليها الدستور ضمان تنفيذ القوانين، تستطيع في الوقت نفسه أن تتقدم مستقبلا بمشروع قانون يعدل نصا قائما إذا تبين لها أن المصلحة العامة تقتضي ذلك.
ولا يوجد في الدستور مبدأ يقول إن ما نشر لا يراجع. بل قوة الدولة الديمقراطية تظهر أيضا في قدرتها على مراجعة تشريعاتها عندما تكشف الممارسة أو الحوار أو الاحتجاج عن الحاجة إلى التصحيح.
والمحامون سيعودون، حتما، إلى المحاكم. فالمحكمة فضاؤهم الطبيعي، والدفاع رسالتهم، والمتقاضي سبب وجود المهنة.
لكن لا يمكن، في المقابل، عزل استمرار التوقف الحالي عن الزمن السياسي الذي تمر منه البلاد.
فنحن اليوم في قلب الحملة الانتخابية، ولم يعد يفصلنا عن يوم الاقتراع المحدد في 23 شتنبر 2026 سوى أيام قليلة، وهو الاستحقاق الذي سيعيد تشكيل مجلس النواب وقد يفرز أغلبية جديدة أو يعيد ترتيب موازين القوى داخل الأغلبية المقبلة، قبل الدخول في مرحلة سياسية ودستورية جديدة تفضي إلى تشكيل الحكومة التي ستتحمل مسؤولية تدبير المرحلة المقبلة. وقد أكدت المعطيات الرسمية أن الحملة الانتخابية انطلقت في 10 شتنبر وأن يوم الاقتراع هو 23 شتنبر 2026.
والمحامون واعون، دون شك، بهذه التفاصيل وبحساسية هذا التوقيت. فأزمة بهذا الحجم لا ينبغي أن تنتهي بتفاهم ظرفي أو بوعد شفهي أو بمجرد دعوة إلى العودة إلى المحاكم، وإنما تحتاج إلى مخاطب حكومي يملك القدرة السياسية على الالتزام بتسوية حقيقية وعلى تحمل آثارها التشريعية خلال المرحلة المقبلة.
ومن هذه الزاوية أيضا يمكن فهم استمرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية في هذه الأيام السابقة للاقتراع. فالقضية لم تعد فقط خلافا حول قانون صدر ودخل حيز النفاذ، وإنما أصبحت كذلك بحثا عن الشروط السياسية والمؤسساتية التي تسمح بإعادة فتح الملف على أسس جديدة.
وقد تفرز الانتخابات أغلبية مختلفة. وقد تستمر بعض مكونات الأغلبية الحالية. وقد تتغير المقاربة الحكومية للملف أو يعاد النظر فيها.
لكن المؤكد أن الحكومة التي ستتشكل بعد الانتخابات ستكون أمام فرصة جديدة لمعالجة الأزمة بعيدا عن منطق الغالب والمغلوب.
وحينها يمكن أن يفتح باب تفاوض جدي بين الحكومة ومؤسسات المحاماة، ينتهي إلى اتفاق مكتوب وموثق، لا إلى وعود عابرة، يحدد بوضوح الالتزامات والآجال والمسار التشريعي المنتظر.
ويمكن، على أساس ذلك، أن يعود المحامون إلى ممارسة مهامهم، وتستعيد المحاكم سيرها الطبيعي، مقابل التزام واضح بفتح ورش مراجعة المقتضيات التي تثير الاعتراض.
كما يمكن تشكيل لجنة مؤسساتية مشتركة تضم ممثلين عن الحكومة ومؤسسات المحاماة، مع إمكان الاستعانة بخبراء في القانون الدستوري والتشريع المقارن والمعايير الدولية المنظمة للمهنة، تتولى تحديد المواد محل الخلاف، ودراسة البدائل الممكنة، وصياغة مقترحات تعديل داخل أجل محدد.
ويمكن أن يشكل ذلك مدخلا لتعديل القانون عبر المساطر الدستورية العادية، بدل استمرار الأزمة في الشارع وفي المحاكم وفي العلاقة بين المهنة والحكومة.
عندها لن تكون عودة المحامين إلى المحاكم تراجعا. ولن تكون مراجعة الحكومة لبعض مواد القانون هزيمة.
بل سيكون ذلك مخرجا مؤسساتيا يحفظ هيبة الدولة، ويحفظ استقلال المحاماة، ويعيد للمواطن حقه في مرفق عدالة يعمل بصورة طبيعية.
فالقضايا الكبرى لا ينبغي أن تحل بمنطق: من كسر الآخر؟ ولا ينبغي أن تكون عودة المحامين إلى العمل مصحوبة بمنطق المنتصر والمهزوم.
كما لا ينبغي أن تتحول معاناة المتقاضين إلى وسيلة للضغط على المحامين، مثلما لا ينبغي أن يغيب المتقاضي عن حسابات المهنة وهي تدبر معركتها.
الحل الحقيقي هو الذي يحفظ الجميع. يحفظ الدولة. ويحفظ المؤسسات. ويحفظ المحاماة. ويحفظ، قبل ذلك كله، حق المواطن في العدالة.
ولهذا، فإن استمرار التوقف بضعة أيام أخرى في ظرف سياسي بهذه الحساسية ينبغي ألا يقرأ فقط من زاوية عدد الأيام التي مرت، وإنما أيضا من زاوية ما إذا كانت هذه الفترة القصيرة قد تسمح بالانتقال من أزمة مفتوحة إلى تفاوض مع حكومة ستملك الشرعية والقدرة على تنفيذ ما يتم الاتفاق عليه.
فالمحامون لا يطلبون أن يكونوا فوق القانون. لكنهم يرفضون، في المقابل، أن يطلب منهم الصمت لمجرد أن القانون نشر.
وفي دولة القانون ثمة قاعدة بسيطة ينبغي ألا تضيع وسط السجال: القانون يحترم، لكنه لا يعبد.
يظل نافذا ما دام نافذا، ويظل قابلا للنقد ما دام يمس المجتمع، وقابلا للتعديل ما دام المشرع قائما، وقابلا للمراجعة الدستورية متى فتحت آلياتها، وقابلا لأن تدفع القوى المهنية والمجتمعية، سلميا ومؤسساتيا، نحو تغييره.
أما تحويل مجرد نشر القانون إلى نهاية للنقاش، فليس دفاعا عن سيادة القانون. بل هو تحويل للقانون من أداة لتنظيم المجتمع إلى وسيلة لإسكات المجتمع.
وذلك آخر ما ينبغي أن تريده دولة تؤمن بأن قوة القانون لا تأتي فقط من إلزاميته، وإنما أيضا من عدالته ومن ثقة المجتمع فيه.


تعليقات
0