جريدة البديل السياسي |اجتمــاعيات

سلسة فقهاء الناظور رقم 1 سيدي علال التانوتي وسيدي الحاج امحمد التانوتي: من بيت العلم إلى منبر الناظور بقلم الأستاذ جمال الغازي

809616461_1032705719768249_6082730547680160226_n

جريدة البديل السياسي – بقلم الأستاذ جمال الغازي

بسم الله وعلى بركة الله افتتح سلسلة فقهاء الناظور،أسأل الله التوفيق

سلسة فقهاء الناظور رقم 1

 

————

سيدي علال التانوتي وسيدي الحاج امحمد التانوتي: من بيت العلم إلى منبر الناظور

أثناء البحث في تاريخ رجالات الناظور وأعلامها، استوقفتني إشارة نبهني إليها صديقي سي محمد التانوتي، حفيد العلامة الشيخ سيدي علال التانوتي، وتتعلق بلوحة تعريفية عند مدخل ملعب الشريف أمزيان بأزغنغان، تتضمن نبذة عن حياة الشريف أمزيان، ورد فيها أنه تلقى حفظ القرآن والفقه على يد الفقيه سيدي علال التانوتي في ثانوث نرمان.

وتقودنا هذه الإشارة إلى جانب مهم من الحياة العلمية التي عرفتها المنطقة، حيث كانت المساجد والبيوت العلمية تؤدي وظيفة المدارس، وتضطلع بتعليم القرآن والفقه والحديث، قبل ظهور المؤسسات التعليمية بصورتها الحديثة.

تذكر بعض المعطيات المحلية أن مسجد ثانوث نرمان، قرب بني سيدال الجبل، كان من مراكز العلم في المنطقة، حتى وصف بأنه «قلعة للعلم». وفي هذا الفضاء العلمي برز اسم سيدي علال محمد حدو التانوتي، الذي ارتبط بالمسجد تدريسا وإرشادا ورعاية، ووصف في بعض الشهادات بأنه «شيخ وقاضي الجماعة»، كما تنسب إليه إقامة نواة للتعليم الديني فيه.

ولم يكن المسجد آنذاك مكانا لأداء الصلاة فحسب، بل كان فضاءً للعلم والتعلم، يحفظ فيه القرآن، وتدرس مبادئ الفقه والحديث، ويتلقى أبناء المنطقة علومهم على أيدي شيوخها وفقهائها.

وكان سيدي علال واحدا من رجال هذه البيئة العلمية، وقد امتد نشاطه إلى خارج المسجد، إذ جعل من بيته فضاء لاستقبال طلبة العلم القادمين من مناطق مختلفة. كان البيت واسعا، فأقام فيه الطلبة وتلقوا دروسهم في القرآن والفقه والحديث، وخصصت لهم غرف بحسب الجهات التي قدموا منها؛ فكانت هناك غرفة لطلبة «إشبذانان» القادمين من كبدانة، وأخرى لطلبة الريف.

ولم يكن هذا التنظيم مجرد ترتيب للإقامة، بل يعكس حرص الشيخ على توفير بيئة مناسبة للطلبة، تجمع بين التعلم والإيواء، وتجعل من البيت امتدادا طبيعيا للمسجد ودوره العلمي.

نشأ سيدي علال التانوتي في هذه البيئة، ثم اتصل بعدد من العلماء والشيوخ الذين أسهموا في تكوينه العلمي. ومن أبرز شيوخه الشيخ أحمد بن المكي اليرمقي السماتي، العالم والفقيه المنتمي إلى قبيلة سوماتة، الذي تلقى تكوينه العلمي في فاس على يد الفقيه محمد بن المدني كنون. وتشير بعض المصادر إلى أن سيدي علال التانوتي القلعي كان من تلامذته قبل سنة 1909م.

كما درس على يد الشيخ علال محمد حدو التانوتي، المولود في بني سيدال سنة 1893م، والذي تتلمذ على يديه عدد من كبار علماء وقضاة المنطقة، من بينهم القاضي حمو بن محمد الشكري القلعي، وغيرهم ممن تولوا لاحقاً مهام القضاء والتعليم الشرعي.

وتكشف هذه السلسلة من الشيوخ عن مسار علمي اتصل بمراكز العلم الكبرى في المغرب، ولم يكن محصورا في المجال المحلي.

وتفيد الرواية المتوارثة داخل الأسرة بأن سيدي علال التانوتي تلقى تكوينه العلمي في جامع القرويين بفاس، قبل أن يعود إلى ثانوث نرمان لمواصلة التدريس والإرشاد. كما تذكر المعطيات المتداولة أن مساره العلمي تُوّج بالتخرج من جامع القرويين حوالي سنة 1915م، بعد أن أخذ العلم عن كبار علماء عصره.

أما القول بأنه كان «أول طالب علم» من أبناء المنطقة الذي تلقى تكوينه في القرويين، فيحتاج إلى مصدر تاريخي صريح لإثبات هذه الأسبقية، وإن كانت الرواية العائلية والمحلية تؤكد مبكرية هذه الرحلة العلمية وأهميتها في مساره.

في هذا البيت العلمي نشأ ابنه سيدي الحاج امحمد علال التانوتي، الذي يمثل امتدادا لمسيرة والده العلمية. وبحسب ما هو مثبت في وثائقه الشخصية، ولد بقرية ثانوث نرمان سنة 1926، مع أنه كان يذكر دائما أنه ولد قبل ذلك التاريخ، وفق ما نقله ابنه.

لم تكن بدايته مع التعلم سهلة؛ فقد كان يجد صعوبة في الحفظ، وكان ما يتعلمه سرعان ما ينساه، رغم محاولات والده المتكررة لمساعدته وتشجيعه.

وفي تلك المرحلة، اقترح أحد كبار التجار، وكان يملك دكانا في سوق رربع نت راث ويعرف باسم الصقلي عبد القادر حسب رواية حفيد العلامة الجد، على سيدي علال أن يترك له ابنه ليساعده في التجارة، ما دام أن الدراسة لم تتيسر له.

غير أن والدته رفضت الفكرة بشدة. وكانت تنحدر من عائلة بن الطاهر المعروفة بالتجارة واليسر، ولم تكن راضية عن أن يعمل ابنها عند غيره.

وفي إحدى جلسات المسجد، اقترح أحد الحاضرين على سيدي علال أن يرسل ابنه إلى فاس، لزيارة مولاي إدريس، لعل الله يفتح عليه في العلم والحفظ.

وهكذا بدأت رحلة ستغير مسار حياة امحمد.

أرسل سيدي علال ابنه إلى فاس، وكانت الرحلة في بدايتها تبدو قصيرة، لكنها امتدت وانقطع الخبر مدة، قبل أن يعود امحمد إلى قريته حاملا شهادة التعليم الابتدائي من القرويين.

أثارت عودته دهشة واستغراب أهل القرية، غير أن الأمر لم يكن نهاية الرحلة؛ فما لبث أن عاد إلى فاس من جديد، حيث أمضى نحو ثلاثة عشر عاما في التحصيل العلمي، حتى حصل على الشهادة النهائية من جامع القرويين، التي كانت تعرف آنذاك بـ«العالمية».

وهكذا تحولت الصعوبة التي واجهها في طفولته إلى مسار علمي طويل، انتهى بتكوين عالم سيحمل علمه من رحاب القرويين إلى المدرسة والمسجد والمنبر في الناظور.

بعد تخرجه، عُرض على سيدي الحاج امحمد منصب القضاء في طنجة، كما عُرض عليه التدريس في السلك الثاني بمدينة وجدة. وبعد التشاور مع زوجته، اختار التدريس بوجدة لقربها من الناظور، فأمضى بها سنتين أستاذا، قبل أن ينتقل إلى الناظور ويلتحق بالمعهد الديني الذي تحول لاحقا إلى ثانوية محمد الخامس.

كان سيدي الحاج امحمد ينوب عن والده سيدي علال في صلاة الجمعة كلما عاد من فاس في حالة غياب والده. ثم، بعد إصابة سيدي علال بكسر في رجليه وتعذر عليه مواصلة الذهاب إلى المسجد، تولى ابنه الإمامة، وأصبح بعد ذلك الإمام الرسمي، وظل مرتبطا بالمسجد والمنبر سنوات طويلة.

وقد اعتمدت في توثيق عدد من تفاصيل حياته على شهادة ابنه، الذي عاش بعض هذه الوقائع وهو طفل، واحتفظ بذاكرته بتفاصيلها، فضلا عما سمعه من والده وأفراد الأسرة. وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها لا تقدم المعلومات الرسمية وحدها، بل تكشف أيضا عن الجانب الإنساني من شخصية الرجل.

ويذكر ابنه أن والده كان معروفا بجرأته في قول ما يراه حقا، ولم يكن يستغل مكانته أو علاقاته لتحقيق مصالح شخصية. كما لم يكن شديد الاهتمام بالمظاهر البروتوكولية، وكان يتوجه إلى المنبر لأداء مهمته دون أن يجعل من الشكليات غايته.

وتأتي شهادة إحدى بناته لتضيف بعدا إنسانيا عميقا إلى هذه الصورة؛ فهي لا تتحدث عن العالم والفقيه فحسب، بل عن الأب والإنسان الذي عاش في وجدان أسرته.

تقول عنه:

«كان نعم الأب، ونعم الأخ، ونعم الابن، ونعم الصديق، ونعم العبد المؤمن. العالم الذي انتفع الناس بعلمه، ولم تجره إلى صلات السلطة ولا كريماتها.»

وتصفه اخرى كذلك بأنه كان متواضعا، عزيز النفس، مترفعا عن الدنايا، يرى في العزة والترفع عنها سبيلا إلى كسب المكارم واعتلاء المنابر، لا يخشى في الحق لومة لائم، فصيح اللسان، خبيرا بواقع الكلام.

وتختصر هذه الشهادة جانبا من شخصيته كما عرفتها أسرته: عالم لم يفصل بين العلم والأخلاق، ولا بين مكانة المنبر والتواضع في الحياة اليومية.

وتتوقف شهادة ابنه عند واقعة بقيت عالقة في ذاكرة الأسرة، وترتبط بسنة 1979. فبعد وفاة الرئيس الجزائري هواري بومدين، تناول سيدي الحاج امحمد في خطبة الجمعة موضوع الموت، مؤكدا أن الموت لا يفرق بين رئيس ومرؤوس، ولا بين غني وفقير.

وبحسب الشهادة العائلية، وبعد نحو عشرة أيام، حضر رجال إلى منزل الأسرة للبحث عنه. وكان ابنه، الذي كان طفلاً آنذاك، هو من فتح لهم الباب، ثم أخبرهم بمكان وجود والده ورافقهم إليه.

اقتيد سيدي الحاج امحمد إلى مركز الشرطة، وبقي هناك نحو أسبوعين. ويذكر ابنه أن رجال الشرطة لم يسيئوا معاملته، وأنه كان يقضي يومه في مكتب خصص له، وكان يؤم الموجودين في صلواتهم.

أما الأسرة، فقد كانت الواقعة لحظة قاسية أدخلتها في حالة من الخوف والقلق، خصوصا أن أبناءه كانوا أطفالا ولم يكونوا قادرين على فهم أسباب اعتقال والدهم.

وتذكر رواية أخرى متداولة داخل الأسرة أن سيدي الحاج امحمد جراته من بين الأسباب التي أثارت حوله المتاعب. وتظل هذه التفاصيل، شأنها شأن واقعة الاعتقال، بحاجة إلى مزيد من التوثيق من المصادر المكتوبة والأرشيفية، مع الاحتفاظ بقيمتها بوصفها جزءا من الذاكرة الشفوية للأسرة.

وتأتي شهادة أخرى من داخل الأسرة، على لسان ابنة الشيخ علال محمد حدو التانوتي وشقيقة سيدي امحمد التانوتي، لتكشف عن عمق الارتباط العاطفي بهذا البيت العلمي. تقول، متأثرة برحيل من عرفتهم من رجال الأسرة:

«رحلوا عن أعيننا، لكنهم لم يرحلوا من قلوبنا. تركوا خلفهم ذكريات لا تعرف طريقاً إلى النسيان. نفتقدهم في لحظات الفرح قبل الحزن، ونبحث عنهم بين الوجوه، رغم أننا نعرف أنهم لن يعودوا. فالفقدان غياب للجسد، وحضور دائم في الذاكرة. اللهم اجعل قبورهم روضة من رياض الجنة، يا رب العالمين.»

وتكتسب شهادة العلامة ميمون بريسول، رئيس المجلس العلمي المحلي بالناظور، أهمية خاصة في التعريف بمكانة سيدي علال التانوتي. ففي خطبة الجمعة يوم 21 أكتوبر 2022 بمسجد تغردا بأولاد لحسن، بني سيدال الجبل، بمناسبة إلقاء أول خطبة جمعة بعد تجديد بنائه، استحضر العلامة ميمون بريسول مكانة مسجد ثانوث نرمان باعتباره إحدى المنارات العلمية التي احتضنت التعليم الديني في المنطقة.

وذكر سيدي علال التانوتي ضمن العلماء الذين درسوا في المسجد ورابطوا للتدريس، مشيرا إلى أنه كان شيخا للجماعة، وأنه أسس فيه أول نواة للدراسة.

كما يرتبط اسم سيدي علال بذاكرة بني سيدال الجبل، وهي منطقة عرفت عددا من البيوت العلمية التي أسهمت في نشر العلم والمحافظة على تقاليد التعليم الديني. ووصفته بعض المصادر المنشورة بـ«العالم الجليل»، كما تذكر بعض المعطيات ارتباطه بعائلة محمادي بن طاهر، المنحدرة من بني سيدال، من خلال المصاهرة.

ولا يتوقف حضوره عند حدود بني سيدال، بل يظهر اسمه أيضا في الذاكرة العلمية والاجتماعية للناظور. فقد ورد في مادة تاريخية تتحدث عن زيارة شيخ الأزهر عبد البار إلى الناظور سنة 1961، حيث يظهر الحاج علال التانوتي ضمن الشخصيات الحاضرة في هذه المناسبة. وإذا كانت تفاصيل الزيارة وصفة الحاضرين فيها تحتاج إلى مزيد من التحقق والعودة إلى المصدر الأصلي، فإنها تظل معطى يستحق البحث.

كما تذكر شهادة ابنه أن المجلس العلمي بالناظور، عند إحداثه، ضم عددا من علماء المنطقة، وأن مجال نفوذه امتد في بعض المراحل إلى الناظور والحسيمة وتازة، وهي معطيات تستحق بدورها العودة إلى الوثائق والأرشيفات الرسمية لتثبيتها.

إن استعادة سيرة سيدي علال التانوتي وابنه سيدي الحاج امحمد التانوتي تقتضي الجمع بين الوثيقة والمصدر المكتوب والرواية الشفوية والشهادة العائلية. فالمعطيات المتوفرة ترسم صورة لبيت علمي كان المسجد والبيت فيه فضاءين متكاملين للتعليم، ثم امتد أثره من ثانوث نرمان إلى جامع القرويين بفاس، ومنها إلى المدرسة والمسجد والمنبر في مدينة الناظور.

ولعل المسؤولية اليوم تقع على عاتق الباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة أكثر من أي وقت مضى، للنبش في الذاكرة الشفوية لأفراد الأسرة، والاستماع إلى إخوة هؤلاء الأعلام وأبنائهم وكل من عاصرهم أو تلقى عنهم، وتوثيق شهاداتهم قبل أن تطوي السنون أصحابها، فتضيع معها تفاصيل ثمينة لا تستطيع الوثائق المكتوبة وحدها أن تستعيدها. كما أن جمع الوثائق الشخصية والعائلية، والشهادات الدراسية، والإجازات، والمراسلات، والصور، وما بقي من أوراقهم وآثارهم العلمية، أصبح أمرا مستعجلا ما دام من عايش هؤلاء الرجال ومن حفظ أخبارهم لا يزال على قيد الحياة.

وهنا تبرز أيضا مسؤولية المجلس العلمي المحلي بالناظور، باعتباره مؤسسة معنية بحفظ الذاكرة الدينية والعلمية للمنطقة، في أن يبادر إلى البحث في المسار العلمي الموثق لهذه القامات، والتنقيب عما تركوه من دروس وخطب ومواعظ ومؤلفات وإجازات ورسائل ووثائق، وما خلفوه من أثر في تلامذتهم وفي الحياة العلمية والدينية للناظور، ثم تحقيق هذه المادة وفهرستها وإخراجها إلى الوجود في عمل علمي يليق بمكانتهم.

إن إنقاذ هذا التراث من التشتت والنسيان ليس تكريما لأسماء رحلت فحسب، بل هو حفظ لجزء من تاريخ الناظور وذاكرتها العلمية. فكم من درس ألقي، وخطبة قيلت، ومؤلف كتب، وإجازة منحت، وشهادة حفظتها ذاكرة أصحابها، ثم بقيت متناثرة في البيوت والصدور تنتظر من يجمعها ويحققها.

ومن هنا، فإن توثيق تراث سيدي علال التانوتي وسيدي الحاج امحمد التانوتي، وسائر علماء الناظور ورجالاته، ينبغي أن يتحول من جهود فردية متفرقة إلى مشروع علمي تشترك فيه الأسر والباحثون والمؤسسات العلمية، حتى تخرج هذه الذاكرة من نطاق الحكاية المتداولة إلى فضاء التوثيق والتحقيق، وتصل إلى الأجيال القادمة كما تستحق.

فالوقت ليس في صالحنا، وكل يوم يمضي قد يحمل معه جزءا من ذاكرة لا تعوض. وما لم نبادر اليوم إلى جمع الشهادات وحفظ الوثائق وتحقيق المسارات العلمية، فقد يأتي يوم لا نجد فيه إلا أسماء في الذاكرة، بينما تكون تفاصيل حياتهم وعلمهم وآثارهم قد غابت إلى الأبد.

 

——–

الصور من ارشيف عائلة التانوتي حفظها الله

 

 

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي