جريدة البديل السياسي – غزلان شرفي
اللحظات الأخيرة
ما أسرع توالي الأيام! وما أعجل سيف الزمن وهو ينزل بتارا على اللحظات فيُرديها صريعة على مقصلة الحاضر، فتُقبَرَ ملتحفة بالحنين، مُعلَّمةً بشاهد كُتِب عليه بأحرف هلامية :كانت حاضرا ،فأصبحت ماضيا… هكذا كانت تشعر الحاجة زهرة وهي تحث الخطا على سُلم الوقت كي يكون كل شيء جاهزا لليوم الموعود: يوم حفل زفاف حفيد وحيدتها على من مال إليه قلبها ،واصطفاه .”فزواج ليلة تدبيره عام “كما وردنا عن الأجداد ،ولابد أن تقف الحاجة على كل التفاصيل ،وتراجع كل المواعيد .آه !
كم أصبحت الأمور معقدة ومبالغا فيها مقارنة مع أيامنا ،تمتمت وهي تغادر مقر المُمون بعد أن اختارت معه نوعية الأواني التي سيقدم فيها الأكل والحلويات للمدعوين، وكذا ألوانها بل حتى حجم باقات الزهور التي ستزين الطاولات.
بعد مشاوير ماراطونية، بين محلات الخياطة والحلاقة والتصوير ……وعلى بُعد مسافة قليلة من الحُلم، ارتدت قاعة الحفلات أبهى زينتها وهي تلمع من تأثير الأضواء المتناثرة على طول الممشى ،وعلى جوانب الأسوار ،وارتجت الجوانب بصدى موسيقى شعبية جذبت الشيب قبل الشباب وكأنهم وهم يتمايلون على أنغامها يحاولون ملامسة سنوات عمرهم المنقضية، وعنفوان شبابهم البائد؛أما العروس فكانت كوكبا دريا تدور في فلكه الأنجم والأقمار وهي تتهادى وسط صويحباتها وأقربائها بقفطانها الأخضر المطرز بخيوط ذهبية تنافس وجنتيها لمعانا وضياءً، بينما كانت تمد أناملها بين الفينة والأخرى إلى صدرها بحركة لاإرادية وكأنها تحاول تهدئة نبض قلبها الذي تعالى من فرط الفرح والتأثر.
انتهت مراسيم الحفل و أزفت لحظة الاختتام ،عانقت الأم المجهدة
فلذة كبدها وهي تغالب دموعها وانحنت لتساعدها في رفع ذيل فستانها الأبيض قبل أن تركب السيارة المزينة بأكاليل الزهور والتي ستقلها وعريسها إلى الفندق، ومنه إلى المطار صبيحة الغد .
تعالت أبواق السيارات بين مُغادر ومُرافق لموكب العروس. استدارت الحاجة زهرة تاركة العنان لسيول رفيعة من العبرات لتنزل مُخالطة لسواد كُحل تزينت به العينان اللتان أَلِفتا وجود ابنتها في حياتها صُبح مساء، في نفس اللحظة التي استدارت فيها العروس لتلقي نظرة أخيرة عليها من خلال زجاج السيارة الخلفي فإذا بمركبة مسرعة لسائق مخمور تشق الطريق على حين غرة وتسحب تحت عجلاتها زهرة فتخنق منها النفَس وتمزج دموعها بدمائها مُشكلة لوحة بئيسة رسمت بقسوة معالم لحظات أخيرة لفرحة أقبرت قبل اكتمالها.
غزلان شرفي


تعليقات
0