جريدة البديل السياسي |سـياسـيات

الشباب المغربي والسياسة : أزمة ثقة أم أزمة تمثيل؟.

images (52)

جريدة البديل السياسي 

الشباب المغربي والسياسة : أزمة ثقة أم أزمة تمثيل؟.

لم تعد أزمة العلاقة بين الشباب المغربي والسياسة مجرد انطباع يتردد في النقاشات اليومية ، بل أصبحت واقعا تؤكده استطلاعات الرأي ، والمثير في هذه الظاهرة أن الأمر لا يتعلق بالضرورة برفض الشباب للسياسة في حد ذاتها، بقدر ما يتعلق بتراجع ثقتهم في قدرتها على الاستجابة لانتظاراتهم والتعبير عن انشغالاتهم. فبحسب استطلاع لمؤسسة أفروباروميتر نشرت نتائجه في مارس 2026 ، لا تتجاوز نسبة الشباب الذين يثقون في البرلمان 37%، بينما لا تتجاوز 33% بالنسبة إلى الأحزاب السياسية، سواء المشاركة في الحكومة أو الموجودة في المعارضة.

وهي مؤشرات تطرح أسئلة جدية حول طبيعة العلاقة التي تربط جيلا كاملا بالمؤسسات التي يفترض أن تمثله. لكن اختزال هذه الأزمة في عزوف الشباب عن المشاركة السياسية قد يقود إلى استنتاج غير دقيق ، فالشاب الذي لا يجد نفسه داخل حزب سياسي، أو لا يرى جدوى من المشاركة الانتخابية ، قد يكون في الوقت نفسه مهتما بالشأن العام ، ومتابعا للقرارات الحكومية، ومستعدا للتعبير عن مواقفه عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو الاحتجاج في الشارع. المشكلة ليست دائما في غياب الاهتمام ، ربما في غياب القنوات التي تحول هذا الاهتمام إلى مشاركة سياسية شبابية منتظمة ومؤثرة.

تتحمل الأحزاب السياسية جزءا من مسؤولية هذا الوضع، فبعضها لا يزال يتعامل مع الشباب باعتبارهم رصيدا انتخابيا يستحضر فقط خلال الحملات الانتخابية ، أكثر من كونهم قوة اقتراحية تستحق المشاركة في صياغة البرامج واتخاذ القرار. كما أن الخطاب السياسي يفقد جزءا من مصداقيته عندما تتكرر الوعود المتعلقة بالتشغيل والإصلاح ومحاربة الفساد، دون أن يشعر المواطن الشاب بأن النتائج لا توازي حجم الانتظارات.

لكن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية أزمة الثقة لا يكفي لتفسير الظاهرة ، فالبطالة وصعوبة الاندماج الاقتصادي، والتفاوت في فرص التعليم والعمل، وضعف الثقة في المؤسسات ، كلها عوامل تتداخل في تشكيل موقف الشباب من السياسة ، وحين يشعر الشاب بأن مجهوده الدراسي لا يضمن له فرصة عادلة أو أن صوته لا يترك أثرا واضحا في القرارات التي تمس حياته ، يصبح من الطبيعي أن يتساءل عن جدوى المشاركة. فبالتالي لا ينبغي التعامل مع الشباب باعتبارهم كتلة واحدة تتقاسم المواقف نفسها ، فهناك من يشارك في الأحزاب والجمعيات والنقابات، وهناك من يفضل أشكالا أخرى من التعبير ، كما أن هناك من يبتعد عن الشأن العام لأسباب مختلفة.

المطلوب ليس لوم جيل كامل على ضعف مشاركته ، لكن يجب معرفة الأسباب التي تجعل بعض أشكال المشاركة أكثر جاذبية من غيرها.

إن استعادة الثقة لا تتحقق بحملات تواصلية موسمية، ولا بمجرد منح الشباب مواقع شكلية داخل التنظيمات السياسية ، إنها تحتاج إلى تجديد الممارسة الحزبية، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإثبات أن المشاركة السياسية يمكن أن تؤدي فعلا إلى تغيير ملموس.

في النهاية، لا يكمن الخطر في أن ينتقد الشباب الأحزاب أو يختلفوا مع المؤسسات، فالنقد جزء من الحياة الديمقراطية.

الخطر الحقيقي هو أن تتسع المسافة بين الشباب والسياسة إلى درجة يصبح معها العزوف هو الخيار الأكثر إقناعا ، وعندما تصل الأمور إلى هذه المرحلة ، لن يكون السؤال لماذا ابتعد الشباب عن السياسة فقط، بل لماذا لم تعد السياسة قادرة على إقناعهم بأنها تستحق المشاركة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫
‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي