جريدة البديل السياسي – خديجة فتاح
في الوقت الذي تتحدث فيه المدن عن التنمية المستدامة والذكاء الحضري وجودة الحياة، يعيش عدد من سكان الحي الحسني واقعاً مختلفاً تماماً، واقعاً عنوانه الأبرز أكوام من النفايات المتراكمة، وروائح تزحف إلى البيوت، وحشرات تجد في الأزبال بيئة مثالية للتكاثر والانتشار.
الأزبال هنا لم تعد مجرد مخلفات منزلية تنتظر شاحنة لجمعها، بل تحولت إلى جزء من المشهد اليومي، وإلى ضيف ثقيل فرض نفسه على الأزقة والشوارع والساحات، حتى أصبح المواطن يخرج من منزله ليستقبله منظر الحاويات الممتلئة عن آخرها والنفايات المتناثرة حولها في كل اتجاه.
ومع ارتفاع درجات الحرارة، تتحول هذه الأكوام إلى قنابل بيئية وصحية موقوتة، تنبعث منها روائح خانقة وتستقطب أسراب الحشرات والبعوض والكلاب الضالة والقوارض، بينما يجد الأطفال أنفسهم مضطرين للعب والمرور بالقرب من مصادر محتملة للأمراض والأوبئة.
فأي صورة نريدها لأحيائنا؟ وأي كرامة تبقى للمواطن عندما يصبح مجبراً على التعايش يومياً مع مشاهد لا تليق بمدينة كبيرة ولا بسكان يؤدون واجباتهم وينتظرون في المقابل خدمات أساسية تحفظ لهم حقهم في بيئة نظيفة؟
الساكنة تتساءل اليوم بمرارة: أين الخلل؟ هل المشكلة في قلة الحاويات؟ أم في ضعف وتيرة جمع النفايات؟ أم في غياب المراقبة والتتبع؟ أم أن الملف برمته أصبح ضحية تبادل المسؤوليات بين مختلف المتدخلين؟
الأخطر من ذلك أن استمرار هذا الوضع لا يهدد فقط صحة المواطنين، بل يضرب في العمق صورة الأحياء ويؤثر على البيئة والتربة وجودة الهواء، ويجعل من الفضاءات العمومية التي يفترض أن تكون متنفساً للسكان نقاطاً سوداء تنذر بتداعيات صحية وبيئية خطيرة.
ولا يمكن إعفاء أي طرف من مسؤوليته؛ فالجهات المكلفة بقطاع النظافة مطالبة بتوفير الإمكانيات الكافية وضمان التدخل السريع والمنتظم، كما أن بعض السلوكيات السلبية المتمثلة في الرمي العشوائي للنفايات خارج الأوقات والأماكن المخصصة لذلك تساهم بدورها في تعقيد المشهد وتفاقم الأزمة.
غير أن المواطن البسيط لا يهمه اليوم من يتحمل المسؤولية بقدر ما يهمه أن يجد حلاً حقيقياً يعيد النظافة إلى شوارعه ويحفظ كرامته وحق أطفاله في بيئة سليمة.
ويبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الساكنة كل يوم: إلى متى سيظل سكان الحي الحسني يتعايشون مع الأزبال أكثر مما يتعايشون مع المساحات الخضراء والخدمات الأساسية؟ وهل يحتاج الأمر إلى كارثة صحية أو بيئية حتى تتحرك الجهات المعنية بالسرعة المطلوبة؟
فالمدن لا تختنق بالازدحام وحده، بل تختنق أيضاً عندما تصبح الأزبال أقوى حضوراً من مشاريع التنمية، وعندما يتحول مطلب النظافة من حق بديهي إلى حلم يومي يطارده المواطن في كل شارع وزقاق.



تعليقات
0