جريدة البديل السياسي – بقلم حميد شهبون
الإسلام سيأتي من الغرب… هل بدأ المستقبل الذي استشرفه مراد هوفمان؟
من حوار قرأته سنة 1998، إلى خطاب سمعته في إسطنبول سنة 2026، أسئلة حول مستقبل الإسلام ونهضة العالم الإسلامي.
في عام 1998، قرأت حواراً مطولاً للمفكر الألماني الراحل مراد هوفمان، الذي اعتنق الإسلام سنة 1980، نشرته إحدى المجلات العربية. وقد استوقفتني آنذاك عبارة قال فيها إن الإسلام سيأتي من الغرب في المستقبل.
ظلت هذه العبارة عالقة بذهني، وكلما تابعت التحولات التي يشهدها الحضور الإسلامي في أوروبا وأمريكا، أجدني أعود إليها متسائلاً: هل كان هوفمان يستشرف مستقبلاً بدأت ملامحه تظهر اليوم؟
لقد استطاع المسلمون في الغرب، خلال العقود الأخيرة، الانتقال من موقع الأقلية المهاجرة التي تبحث عن الاعتراف بوجودها، إلى موقع المواطن المشارك في الحياة السياسية والاجتماعية، بل والوصول إلى مواقع المسؤولية وصناعة القرار.
واللافت أن هذا الحضور تحقق عبر التعليم والعمل والتنظيم المدني والمشاركة الديمقراطية والانتخابات، وليس عبر العنف أو الانعزال عن المجتمعات التي يعيشون فيها.
وهنا تكمن المفارقة: استطاع مسلمون في مجتمعات لا تتبنى الإسلام ديناً للدولة أن يمارسوا حقوقهم السياسية، وأن يشاركوا في المؤسسات الديمقراطية، بينما لا تزال مجتمعات إسلامية كثيرة تعاني من أزمات الاستبداد وضعف المؤسسات وغياب المحاسبة.
فهل المشكلة في الإسلام أم في الاستبداد الذي أفسد الحياة السياسية عند المسلمين؟
إنني أرى أن تحميل التراث الإسلامي وحده مسؤولية غياب الديمقراطية تبسيط لإشكالية تاريخية وسياسية معقدة. وقد تناول عبد الرحمن الكواكبي هذه المسألة في كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد»، كما حلل محمد عابد الجابري جذور السلطة في العقل السياسي العربي.
فالتراث ليس هو الاستبداد، والعلماء ليسوا سلاطين، والإسلام لا ينبغي أن يكون شماعة نعلق عليها إخفاقاتنا السياسية.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال المفكر السويسري من أصل مصري طارق رمضان، الذي تناول في كتابه «مسلمو الغرب ومستقبل الإسلام» (2005) إمكانية تشكل هوية إسلامية أوروبية تجمع بين المرجعية الدينية والمواطنة والمشاركة في بناء المجتمع.
لقد انتقل النقاش عنده من مجرد سؤال اندماج المسلمين في الغرب إلى سؤال أكبر: كيف يمكن للمسلمين أن يسهموا في تجديد الفكر الإسلامي والمشاركة في بناء الحضارة المعاصرة؟
مسلمو أوروبا… قادمون إلى العالم الإسلامي فاتحين!
وفي سياق استعادتي لكلام هوفمان، أتذكر خطاب الأستاذ عبد الله بنمنصور الذي استمعت إليه يوم 30 أكتوبر 2026 بمدينة إسطنبول، خلال مؤتمر «وحدة الأمة الوسط: من الثوابت إلى ميثاق الوحدة».
لقد طرح في خطابه فكرة لافتة، مفادها أن مسلمي أوروبا سيدخلون الدول الإسلامية العربية فاتحين.
توقفت عند هذه العبارة طويلاً. وأفهمها في معناها الحضاري والفكري، لا باعتبارها دعوة إلى فتح عسكري، وإنما باعتبارها إشارة إلى احتمال انتقال المبادرة الإصلاحية من أبناء الجاليات المسلمة في الغرب إلى بلدان آبائهم وأجدادهم.
فربما يكون الفاتحون الجدد حملة علم ومعرفة، وأصحاب مؤسسات ومشاريع، ونماذج في النزاهة والتنظيم واحترام القانون والعمل الجماعي.
وربما يعود أبناء المهاجرين إلى أوطانهم لا ليفرضوا نموذجاً على أحد، وإنما ليسهموا في تحرير طاقات المجتمع من الخوف والاستبداد والفساد.
ومن الأفكار التي استوقفتني أيضاً في خطاب ابنمنصور دعوته إلى إحسان الظن بالله، مؤكداً أن الله أكبر، وليس أمريكا أكبر، ولا المال أكبر، ولا السلطة أكبر، ولا السلاح أكبر، مع ضرورة الأخذ بأسباب القوة.
إنها معادلة تستحق التأمل؛ فحسن الظن بالله لا يعني انتظار المعجزات دون عمل، والتوكل لا يعني الاستسلام للواقع.
يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
فالإيمان بالله ينبغي أن يدفعنا إلى بناء الإنسان والمؤسسات، وإقامة العدل، وتطوير التعليم والاقتصاد، والأخذ بأسباب القوة.
هل ننتظر مسلماً في البيت الأبيض؟
وأمام هذه التحولات، يراودني سؤال: هل يمكن أن يستمر الاستبداد في مجتمعاتنا إلى أن يصل شخص مسلم يوماً إلى البيت الأبيض، فيصبح تأثيره في أوضاعنا أكبر من تأثير أصوات شعوبنا؟
إنه احتمال من احتمالات التاريخ، وليس رهاناً ينبغي أن نبني عليه مستقبلنا.
لقد اعتادت بعض الأنظمة أن تصغي إلى صوت القوى الدولية أكثر مما تصغي إلى مطالب شعوبها. لكن هل يعقل أن ننتظر تغيراً في واشنطن لكي نحقق الحرية والكرامة والعدالة في بلداننا؟
إن نهضة الشعوب لا تُستورد، والحرية لا يمنحها الآخرون نيابة عنا، والكرامة لا تتحقق إلا بإرادة داخلية ومؤسسات تحترم الإنسان.
حين أستعيد حوار مراد هوفمان الذي قرأته سنة 1998، وأتأمل كتابات طارق رمضان، وأتذكر خطاب عبد الله بنمنصور في إسطنبول، أجدني أمام خيط فكري واحد: احتمال أن تتحول تجربة المسلمين في الغرب إلى رافعة لإصلاح العالم الإسلامي.
لقد قال هوفمان إن الإسلام سيأتي من الغرب، وتحدث ابنمنصور عن مسلمي أوروبا الذين سيدخلون البلدان الإسلامية فاتحين.
وربما لا يكون الفتح القادم فتح أرض، وإنما فتح عقول، وتحرير إرادات، وبناء مؤسسات، وإحياء قيم العدل والحرية والكرامة.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: متى يأتي المسلمون من الغرب فاتحين؟ بل: متى نفتح نحن أبواب بلداننا للحرية والعدل والإصلاح؟
الله أكبر… والأخذ بأسباب القوة مسؤوليتنا.
فالتاريخ دفتر مليء بالاحتمالات.


تعليقات
0