جريدة البديل السياسي |كتاب وآراء

بين لهفة التزكيات ونداء الأمة.. في مفهوم المواطنة الحقة … بقلم الأستاذ جمال الغازي

277762915_639170830509423_834590855648921581_n

جريدة البديل السياسي- بقلم الاستاذ جمال الغازي

بين لهفة التزكيات ونداء الأمة.. في مفهوم المواطنة الحقة .

تقتضي العقلانية السياسية والقراءة الواقعية للمشهد الوطني أن نلتقط أنفاسنا، بعيدا عن صخب المواعيد الانتخابية الوشيكة، وأن نطرح على أنفسنا سؤالا جوهريا حول الأولويات الحقيقية التي تحتاجها بلادنا في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها.

فالمواطنة الحقة، والغيرة الصادقة على الوطن ومصالح أبنائه، لا تقاسان بمدى الهرولة نحو نيل التزكيات الحزبية، ولا بالظفر بالترشيحات، ولا بانتظار استحقاقات سبتمبر المقبلة وكأنها محطة للحسم الشخصي أو لتحقيق مكاسب ضيقة. فالانتخابات، مهما بلغت أهميتها الدستورية والسياسية باعتبارها آلية لتجديد النخب وإفراز المؤسسات التمثيلية، تظل وسيلة وليست غاية في حد ذاتها. أما المصلحة العليا للوطن، فتبقى أسمى من كل الحسابات الانتخابية، وأكبر من توازنات المقاعد وأرقام صناديق الاقتراع.

بناء “الدولة-الأمة”.. رؤية تتجاوز الحسابات الانتخابية إن المرحلة التي نعيشها تستدعي قدرا أكبر من الترفع عن الحسابات السياسية الضيقة، والانفتاح على حوار وطني جاد ومسؤول، يلم شمل المغاربة حول القضايا الكبرى التي تهم حاضر البلاد ومستقبل أجيالها. حوار لا تحكمه الحسابات الحزبية الظرفية، ولا الرغبة في تسجيل النقاط، وإنما تؤطره مصلحة الوطن وروح المسؤولية، ويستحضر الرؤية الملكية السامية التي تؤكد على خصوصية النموذج المغربي، وعلى مكانة المؤسسات ودورها في ترسيخ الاستقرار وخدمة الصالح العام.

وقد عبر جلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده، في خطاب العرش الأخير، عن هذا المعنى بوضوح حين قال: “إن المغرب دولة عريقة، تستمد قوتها من تقاليدها الراسخة كدولة-أمة، تقوم فيها المؤسسات بدورها في إطار من الانسجام والتكامل”.

إن مفهوم “الدولة-الأمة” ليس مجرد شعار سياسي أو تعبير عابر، بل هو مشروع وطني وحضاري متكامل، قوامه ترسيخ المؤسسات، وتعزيز الثقة، وتغليب المصلحة العامة، وجعل خدمة الوطن والمواطنين فوق كل طموح شخصي أو مصلحة فئوية. وهذا المعنى يجد صداه ايضا في المنطوق السامي لخطاب العرش، حين قال جلالة الملك: “لم أبحث يوما عن مجد شخصي، أو عن الاعتراف بدور ريادي…

بل كل ما يهمني هو النهوض بأمانة خدمتك، وتمكين جميع المغاربة من شروط العيش الحر الكريم”.

وهي رسالة واضحة في جوهرها: المسؤولية السياسية ليست طريقا نحو المجد الشخصي، ولا وسيلة للبحث عن الامتيازات، وإنما هي أمانة والتزام وخدمة للوطن والمواطن.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء الدولة-الأمة يقتضي منا جميعا، نخب ومؤسسات وفاعلين سياسيين ومدنيين، استحضار مجموعة من المبادئ الأساسية: أولا: تغليب المصلحة الوطنية العليا وضع مصلحة المغرب فوق الحسابات الفردية والحزبية، وجعل الاستقرار والتنمية والعدالة المجالية والاجتماعية أولوية تتقدم على الطموحات الشخصية ورغبات التموقع السياسي.

ثانيا: التحلي بروح المسؤولية والتفاؤل فالعمل السياسي الجاد لا يبنى على التشكيك الدائم، ولا على الصراعات الحزبية العابرة، وإنما على النقد البناء، والمراجعة الذاتية، وتثمين المكتسبات، وتصحيح الاختلالات، وبناء النجاح بشكل تراكمي.

ثالثا: توطيد الثقة في المؤسسات إن الاستقرار السياسي والمؤسساتي الذي تنعم به المملكة يشكل رصيدا استراتيجيا ثمينا، ينبغي استثماره في تحقيق مزيد من التنمية وتعزيز الثقة بين المواطن والمؤسسات، وليس تحويله إلى مجرد ورقة في الصراع السياسي أو الانتخابي. رابعا: إعادة الاعتبار للعمل السياسي إن السياسة، في جوهرها، ليست سباقا نحو التزكيات والمقاعد، ولا مجالا لتدبير المصالح الشخصية، بل هي قبل كل شيء خدمة عمومية ومسؤولية أخلاقية ووطنية.

ومن هنا، فإن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من اللهاث وراء المواقع، بقدر ما هي حاجة إلى نخب تؤمن بأن قيمة الإنسان السياسي تقاس بما يقدمه لوطنه، لا بما يحصل عليه من مواقع ومناصب.

نحو مستقبل أسمى إن التفاؤل بمستقبل المغرب لا يمكن أن يكون رهينا بالشعارات الانتخابية الموسمية، ولا بحسابات التزكيات والتحالفات والتموقعات.

التفاؤل الحقيقي ينبع من وعي جماعي بقدرتنا على تجاوز الأنانيات الضيقة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

وعندما نجعل من بناء “الدولة-الأمة” هدفا وطنيا أسمى، سندرك أن الاختلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن التنافس الانتخابي لا يجب أن يطغى على روح المواطنة، وأن الحوار المسؤول يظل الطريق الأنجع لبناء المستقبل.

نحن بحاجة اليوم إلى سياسة تعيد الاعتبار للثقة، وإلى نخب ترى في المسؤولية تكليفا لا تشريفا، وفي التزكية وسيلة لخدمة الوطن لا غاية للبحث عن موقع، وفي الانتخابات فرصة لتجديد المؤسسات لا مناسبة لتجديد الامتيازات.

ذلك هو جوهر المواطنة الحقة. وذلك هو المعنى الحقيقي للانتماء إلى وطن اسمه المغرب.

مغرب قوي بمؤسساته، متضامن بأبنائه، واثق في مستقبله، وماض بثبات في مسيرته التنموية تحت القيادة الرشيدة لجلالة الملك محمد السادس، نصره الله وأيده.

جمال الغازي

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي