جريدة البديل السياسي |روبورتاج و تحقيق

حامة شعابي بالدريوش.. عين معدنية بين البحر والجبل تنتظر التثمين سياحيا

6a5cfc1fbb417

جريدة البديل السياسي – فاطمة زرهوني – متابعة

قبل أن تشتد حرارة الشمس، يبدأ شاطئ آيت سعيد، بجماعة دار الكبداني بإقليم الدريوش، في استقبال عشرات الوافدين. سيارات تصطف على جانبي الطريق الساحلية الرابطة بين الناظور والحسيمة، وعائلات تحمل أواني وقنينات فارغة، فيما يهرول الأطفال نحو حوض مائي صغير لا يتجاوز عمقه ستين سنتيمترا.

هناك، عند سفح الجرف الصخري المطل على البحر الأبيض المتوسط، تنبع مياه دافئة من باطن الأرض دون انقطاع، في مشهد تختلط فيه زرقة البحر بهدوء الجبل، بينما تتعالى أصوات الأمواج وتمتزج بضحكات الأطفال وأحاديث الزوار.

في هذا الركن الطبيعي، المعروف محليا بـ”حامة شعابي”، لا تفصل الزائر سوى أمتار قليلة بين الاستحمام في مياه معدنية دافئة والسباحة في البحر، وهي خصوصية تجعل الموقع مختلفا عن أغلب العيون والحمامات المعدنية بالمغرب، وتمنحه مؤهلات سياحية لا تزال تنتظر مزيدا من التثمين.

وما إن يغادر الزائر الطريق الساحلية حتى تتغير ملامح المكان. عائلات تفترش المساحات المجاورة، وشباب يوثقون زيارتهم بالصور، فيما يحرص آخرون على ملء القنينات من المنبع. وبين الحوض الصغير والرمال الذهبية تتوزع الحركة في مشهد يعكس الإقبال المتزايد الذي تعرفه الحامة خلال فصل الصيف.

ولا يقتصر زوار الموقع على أبناء إقليم الدريوش، بل يقصده وافدون من الناظور والحسيمة وبركان ووجدة ومدن أخرى، إضافة إلى أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، خاصة المنحدرين من المنطقة، الذين يجعلون من زيارة الحامة محطة ثابتة خلال عطلتهم الصيفية، وهو ما يجعل شهري يوليوز وغشت ذروة الموسم.

مياه دافئة… وخصائص تنتظر الحسم العلمي

تنساب مياه الحامة من باطن الجبل المطل على البحر، الذي يناهز ارتفاعه مائة متر، قبل أن تستقر داخل الحوض الطبيعي الصغير. ويؤكد عدد من الزوار أن المياه صالحة للشرب مباشرة من المنبع، غير أنها تفقد عذوبتها بعد فترة قصيرة بسبب ارتفاع نسبة الملوحة عقب خروجها من مصدرها.

ويربط عدد من سكان المنطقة بين هذه المياه والتخفيف من بعض الأمراض الجلدية وآلام المفاصل، غير أن المعطيات العلمية المتوفرة لا تحسم بشكل نهائي في هذه الخصائص. فقد خلصت دراسة ميدانية أنجزت سنة 2001 لفائدة قطاع السياحة إلى وجود مؤشرات تستوجب مواصلة البحث العلمي حول الإمكانات العلاجية للمياه، دون الجزم بفعاليتها الطبية.

كما تشير الدراسة إلى أن المنطقة تعرف نشاطا بركانيا يعود إلى العصر الميو-بليوسيني والعصر الرباعي، إضافة إلى نشاط تكتوني يتمثل في الالتواءات والانكسارات الجيولوجية، وهي عوامل ساهمت في ظهور العيون الحرارية.

وسجلت أن درجة حرارة المياه تتراوح بين 14 و60 درجة مئوية، ويبلغ صبيبها نحو خمسين لترا في الثانية، مع التوصية بإجراء تحاليل مخبرية إضافية للكشف عن خصائصها الفيزيائية والكيميائية، والبحث في وجود ينابيع حرارية أخرى بالمنطقة.

“هدية من الطبيعة”

وبالقرب من المنبع، كان الحاج مصطفى، أحد أبناء المنطقة، يملأ قنينة بلاستيكية من المياه المتدفقة باستمرار، قبل أن يقول: “نشرب من هذه العين منذ سنوات، ونعتبرها هدية من الطبيعة. نحرص دائما على تعبئة المياه مباشرة من المنبع لأنها تكون أكثر عذوبة”.

غير بعيد عنه، كانت فاطمة، القادمة من مدينة الناظور رفقة أطفالها، تراقب أبناءها وهم يتنقلون بين الحوض المائي والرمال الذهبية، مؤكدة أن زيارة الحامة أصبحت محطة ثابتة في عطلتهم الصيفية. وتقول: “الأطفال يستمتعون بالتنقل بين الحوض والشاطئ، وأنا أجد راحة في المياه الدافئة، لكن المكان يحتاج إلى مرافق أساسية تليق بعدد الزوار”.

أما يونس، أحد أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، فيرى أن الموقع يمتلك مقومات سياحية واعدة، لكنه ما يزال في حاجة إلى مزيد من التنظيم والاستثمار. ويقول: “في عدد من الدول الأوروبية يؤدي الزائر مقابلا للاستفادة من الحمامات المعدنية، بينما هنا كل شيء طبيعي ومجاني، لكن الموقع يحتاج إلى تنظيم واستثمار يحافظ على جماله”.

ومع اقتراب الساعة الثانية بعد الزوال، تبدأ آخر النساء في مغادرة الحوض المائي، بينما يتوافد الرجال تباعا للاستفادة من العين المعدنية، في إطار نظام محلي ينظم الولوج إلى الحامة.

وتوضح فاطمة أن الزوار اعتادوا هذا التنظيم، مضيفة: “نعرف مسبقا أن الفترة الصباحية، من الثامنة صباحا إلى الثانية بعد الزوال، مخصصة للنساء، ثم تفسح المجال للرجال إلى غاية الثامنة والنصف مساء، بينما يبقى يوم الجمعة مخصصا لهم. هذا التنظيم يجعل الجميع يستفيد من المكان في ظروف مريحة.”

رواج اقتصادي موسمي… وإكراهات قائمة

لا تقتصر الحركة على الزوار فقط، بل تمتد إلى النشاط التجاري الذي يرافق الموسم الصيفي. فعلى امتداد الطريق المؤدية إلى الحامة تنتشر محلات صغيرة لبيع المشروبات الباردة والمأكولات الخفيفة والمنتجات المحلية، فيما اختار عدد من الشباب استغلال الإقبال الصيفي لتوفير خدمات مختلفة لفائدة الوافدين.

ويقول خالد، وهو تاجر بالمنطقة: “شهرا يوليوز وغشت يمثلان موسمنا الحقيقي، إذ تتضاعف المبيعات مقارنة ببقية أشهر السنة. ولو تم تثمين الموقع سياحيا، لأصبحت الحركة الاقتصادية مستمرة طيلة العام.”

ولا تقتصر الاستفادة على أصحاب المحلات، بل تمتد إلى المقاهي الشعبية وسائقي سيارات الأجرة وباعة المنتوجات التقليدية، الذين ترتبط مداخيلهم بالحركية التي يعرفها الموقع خلال فصل الصيف.

غير أن هذا الرواج الموسمي يصطدم بإكراهات ميدانية ما تزال تحد من تثمين الموقع بالشكل الذي يتطلع إليه الزوار والفاعلون المحليون. فالولوج إلى الحامة يقتضي النزول عبر درج إسمنتي تبدو عليه آثار التقادم، فيما تساعد أسلاك حديدية مثبتة بمحاذاته على تسهيل الحركة.

ويقول سعيد، القادم من مدينة وجدة: “النزول يبقى صعبا بالنسبة لكبار السن والأطفال. نحتاج إلى ممرات أكثر أمانا، ومرافق للنظافة، وفضاءات منظمة لوقوف السيارات حتى يصبح الموقع في مستوى الإقبال الذي يعرفه.”.

بين حماية الطبيعة وتشجيع الاستثمار

ورغم ما تزخر به حامة شعابي من مؤهلات طبيعية، يرى فاعلون جمعويون أنها ما تزال بعيدة عن استثمار سياحي يرقى إلى إمكاناتها، معتبرين أنها قادرة على التحول إلى قطب للسياحة البيئية والاستشفائية إذا ما جرى إعداد رؤية تنموية متكاملة تراعي حماية المجال الطبيعي وتشجع الاستثمار المسؤول.

ويؤكد هؤلاء أن الطريق الساحلية ساهمت في فك العزلة عن الموقع، غير أن تثمينه يظل رهينا بتهيئة مسالك الولوج، وإحداث مرافق للاستقبال، وتشجيع مشاريع للإيواء والخدمات السياحية، بما يساهم في خلق فرص الشغل وتنشيط الاقتصاد المحلي.

كما يستحضر متابعون للشأن المحلي تجارب وطنية ناجحة في تثمين المؤهلات الطبيعية، معتبرين أن الاستثمار في حامة شعابي يمكن أن يحولها إلى وجهة سياحية تستقطب الزوار على مدار السنة، مع الحفاظ على خصوصيتها البيئية والطبيعية.

ومع ميل الشمس نحو الغروب، تبدأ العائلات في جمع أغراضها استعدادا للعودة، بينما يفضل آخرون البقاء حتى آخر النهار، مستمتعين بصوت الأمواج ودفء المياه وإطلالة الجبل على البحر.

ومع اختفاء آخر خيوط الشمس خلف مياه المتوسط، تخفت الحركة تدريجيا، ويغادر الزوار المكان حاملين معهم قنينات من مياه العين وذكريات يوم جمع بين دفء المياه وصفاء البحر. أما حامة شعابي، فتظل شاهدة على مؤهل طبيعي استثنائي، ينتظر أن يحظى بما يكفي من العناية والاستثمار حتى يتحول من مقصد صيفي موسمي إلى وجهة سياحية مستدامة تسهم في تنمية إقليم الدريوش على مدار السنة.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي