جريدة البديل السياسي |منبر البديل السياسي

بين عدالة الأرض وعدالة السماء.. صرخة قلم يبحث عن الإنصاف بالناظور

presse-3-5-2023

جريدة البديل السياسي -نبيلة هادفي

في الدول التي قطعت أشواطًا كبيرة في ترسيخ الديمقراطية، لا تُقاس قوة الصحافة بعدد الصفحات التي تُنشر، بل بقدرتها على مساءلة المسؤولين والدفاع عن حق المجتمع في المعرفة. أما في البيئات التي لم تكتمل فيها بعد شروط الانتقال الديمقراطي، فتظل الصحافة تبحث عن مكانتها الحقيقية، فتُسمى أحيانًا “السلطة الرابعة” رغم أنها لا تملك دائمًا من أدوات القوة ما يكفي لحماية نفسها.

وفي المغرب، جاء قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 لسنة 2016 باعتباره محطة تشريعية هدفت إلى تنظيم الممارسة الصحفية، وتعزيز التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، بعد سنوات من المطالبات التي رفعتها الهيئات المهنية والنقابية من أجل تحديث الإطار القانوني للصحافة.

غير أن النقاش يعود اليوم بقوة في الناظور حول مدى حضور هذا القانون في قضايا النشر، وحول الطريقة التي يتم بها التعامل مع الملفات المرتبطة بالعمل الصحفي. فبينما يرى مهنيون أن قانون الصحافة والنشر يجب أن يكون المرجعية الأساسية في قضايا النشر، يثار جدل حول استمرار اللجوء إلى مقتضيات القانون الجنائي في بعض المتابعات، وهو ما يعتبره البعض تراجعًا عن فلسفة الإصلاح التشريعي الذي جاء به قانون الصحافة الجديد.

المشكل لا يكمن فقط في وجود نصوص قانونية متعددة، بل في السؤال الأكبر، أي روح قانونية نريد تكريسها؟ هل نريد صحافة تمارس دورها الرقابي داخل إطار واضح يحميها ويحملها المسؤولية في الوقت نفسه؟ أم نترك المجال لاجتهادات قد تجعل الصحفي يشعر بأن هامش عمله يضيق أكثر فأكثر؟

إن هيبة القانون لا تُقاس بصرامته فقط، بل بوضوحه وعدالة تطبيقه. فالصحافة لا تطلب حصانة من النقد أو المسؤولية، وإنما تطالب بأن تُعامل وفق الإطار القانوني الذي وُضع خصيصًا لتنظيم مهنتها، وأن يكون الاحتكام إلى القانون بعيدًا عن الانتقائية أو تضارب المرجعيات.

وفي نهاية المطاف، تبقى العدالة الحقيقية مرتبطة بقدرة المؤسسات على إقناع المواطن بأن القانون فوق الجميع، وأن تطبيقه يتم بروح الإنصاف قبل منطق العقوبة. فحين يفقد الناس الثقة في عدالة القوانين، يصبح السؤال أكبر من قضية صحفي أو ملف نشر؛ يصبح سؤالًا حول علاقة المجتمع بالقانون نفسه.

عندما تضيق مساحات الأمل في عدالة البشر، يبقى إيمان الإنسان بالعدالة الإلهية هو الملاذ الأخير. فالله سبحانه وتعالى هو العدل المطلق، وهو الذي لا يضيع عنده حق ولا تخفى عليه خافية، قال تعالى: “وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا”.

قد تختلف قراءات البشر للقوانين، وقد تتباين الاجتهادات في تطبيقها، وقد يشعر البعض أحيانًا بأن ميزان العدالة على الأرض لا يحقق دائمًا ما ينتظره المظلومون، لكن يبقى اليقين بأن ميزان الحق عند الله لا يميل، وأن كل إنسان سيقف يومًا أمام عدالة لا تعرف نفوذًا ولا مراكز ولا حسابات.

فالعدالة البشرية، مهما بلغت من تطور، تظل اجتهادًا بشريًا يعتريه النقص، أما العدالة الإلهية فهي عدالة كاملة لا ظلم فيها. وبين نصوص القوانين واجتهادات البشر، يبقى الأمل قائمًا في أن ينتصر الحق، هنا أو في ميزان آخر لا يخطئه الحساب.

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

‫من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها وليس عن رأي جريدة البديل السياسي