جريدة البديل السياسي
بيت الوعود/ قصة قصيرة.
عبد المجيد طعام
منذ أن خلق الله قريتهم، وأنزل جدهم الأول فيها، لم يتذكروا أنهم انتظروا شيئا كما انتظروا المطر. كانوا ينتظرونه كل سنة، وكان يغيب عنهم كل سنة أيضا. ومع مرور الوقت، كفوا عن مراقبة حركة السحب، وتعلموا ألا يرفعوا رؤوسهم كثيرا إلى السماء، بعد أن وصلت إلى القرية سيارة سوداء . لم يعودوا ينتظرون المطر وحده.
طيلة سبعة عقود، على رأس كل خمس سنوات، كانت تصلهم سيارة سوداء من المدينة الكبيرة. ينزل منها رجل أنيق ، يحمل بطنا منتفخا وحقيبة مليئة بالأوراق والوعود والشعارات… كان يقول لهم إن المطر قادم. ثم يضيف، بثقة من يعرف أسرار السماء: “- سنجلب لكم المطر الاصطناعي.” ويعدهم بمستشفى، ومدرسة، ومعمل، وطريق معبدة، وأحيانا بماء يصل إلى البيوت دون أن يضطروا إلى انتظار السماء.
كان أهل القرية يصفقون. في نهاية النهار، كان الرجل يعود إلى المدينة محملا بأصواتهم الصامتة. أما القرية، فكانت تحتفظ بالوعود..
مع مرور السنوات، كانت الوعود، تتكاثر حتى صار لها ظل، ثم صار لها باب، ثم صار لها بيت مهجور عند طرف القرية.
ذات يوم، قال أحد الشيوخ : “إن ذلك البيت يسكنه السياسيون الكذابون الذين لم يعودوا.” ضحك الجميع.
لكن في تلك الليلة، سمعوا من داخله أصواتا كثيرة تردد: المدرسة قادمة… المستشفى قادم… المعمل قادم… المطر قادم…
ثم صار الأطفال يذهبون ليلا إلى البيت ليستمعوا إلى الوعود وهي تتحدث في الظلام… أما الرياح الساخنة، فكانت تحمل الغبار، وتبعثر ما تبقى من الانتظار، ثم تمضي.
في السنة السبعين، لم تأت السيارة السوداء. انتظروا صباحا، ثم مساء، ثم أسبوعا… لم يأت أحد… ولم يأت المطر أيضا…
بعد شهر ، خرج شيخ القرية إلى الطريق، فوجد عشرات اللافتات القديمة مدفونة في التراب. رفع واحدة منها. كانت تحمل شعارا انتخابيا من أربعين سنة: ” من أجل ديمقراطية مجالية تحفظ كرامة المواطن ” ثم قال: ” – يبدو أن المدينة نسيتنا.”
بجانبه كان شاب ينبش في التراب فكشف عن لافتة أخرى . نظر إليها . ابتسم ابتسامة حسرة وحزن ثم رد على الشيخ : “- ربما لم تنسنا… ربما أخذت منا ما كانت تريد.”


تعليقات
0