جريدة البديل السياسي – بقلم الأستاذ جمال الغازي
مــــــــــن تجــــــــارب الحيــــــــــاة:
_____________________________
في احد ايام الصيف الماضية، ذلك الصيف الذي يوقظ
في قلوب مغاربة العالم حنينا لا يخبو، حنين العودة الى الاهل ولمس تراب مكان الولادة، وجدت نفسي استسلم لنداء الذاكرة. خرجت من البيت متوجها نحو مقهى فيكتوريا، ذاك الفضاء الذي اعتدنا ان نلتقي فيه، انا واصدقاء العمر، ممن جمعتنا الطفولة وتقاسمنا ذكريات جميلة من الناظور، مدينة البحر والهواء النقي.
كنت اسير بخطى هادئة، ادندن نغمات مرتجلة كعادتي منذ الصغر، كأن الغناء جسر خفي يصل طفولتي بحاضري. كان احفادي يرافقونني، ينظرون الي مبتسمين باستغراب لطيف، كأنهم يكتشفون لاول مرة ان جدهم كان طفلا يوما ما. في تلك اللحظات البريئة، شعرت بطمأنينة عميقة، وكأن الزمن رق قلبه قليلا وترك لنا فسحة من النقاء.
عند مفترق الطريق، توقفت وقلت لهما بلطف ممزوج بالحذر
تمهلا، اعطيا يديكما، ساشدهما جيدا حتى لا تفلتا مني
فانا اعرف جيدا عادات بعض سائقي السيارات في مدينتي، خاصة في فصل الصيف حين يكثر الزحام وتغيب المسؤولية، ويصبح الطريق ساحة للفوضى لا لاحترام القانون.
وصلنا الى اشارة المرور، وكانت خضراء، فقلت لهما مطمئنا
تمسكا بي جيدا، سنعبر الان
وما ان خطونا خطواتنا الاولى حتى اندفعت سيارة بسرعة مفرطة، غير عابئة باشارة ولا بارواح. مرت بجانبنا مرور الريح، قريبة حد الرعب، ولولا لطف الله لكانت الكارثة.
تملكني الغضب والخوف معا، فصرخت في السائق
عار عليك، لم تحترم قانون السير
فالتفت الي بنظرة خبيثة، وانهال علي بالسب والشتم، ثم ضغط على السرعة وانطلق، وكأنه يبعث برسالة قاسية مفادها ان الحياة لا قيمة لها في نظره.
وقفت مصدوما، وقلبي يرتجف، ونظرت الى احفادي فوجدت الخوف مرسوما في عيونهم الصغيرة. في تلك اللحظة ادركت ان الالم لم يكن فقط في الخطر الذي مر، بل في الدرس القاسي الذي تلقاه هؤلاء الاطفال دون اختيار. درس عن واقع مؤلم، عن سلوكيات دخيلة تسيء الى المدينة وتشوه صورتها.
مدينتي تعاني من مثل هذه المشاهد، حين لا يحترم الصغير الكبير كما تربى جيلنا، وحين يغيب الحياء ويصبح الكلام الساقط دليلا على الجرأة، وتتحول الفوضى الى شجاعة زائفة. قيم كانت يوما اساس التربية اصبحت اليوم استثناء، وكأن الزمن يسير الى الخلف لا الى الامام.
رغم مرور سنوات على تلك الحادثة، الا انها ما زالت راسخة في ذهني، حاضرة بكل تفاصيلها وقسوتها. لم تغادرني لانها مست سلامتنا فقط، بل لان اثارها النفسية بقيت عالقة في نفوس احفادي، وفي نفسي انا ايضا، كجرس انذار لا يتوقف.

ومع ذلك، ما زلت اؤمن ان الامل لا يموت، وان المدن مثل البشر تمرض لكنها لا تفنى. الناظور ستبقى جميلة باهلها الطيبين، وقيمها الاصيلة، متى ما عدنا نغرس الاحترام في نفوس ابناءنا، ونفهمهم ان الرجولة اخلاق، وان الحرية مسؤولية، وان الطريق ليس فقط اسفلتا نعبره، بل مرآة تعكس وعينا وتحضرنا.
تلك الحادثة كانت درسا مؤلما، لكنها جعلتني اكثر ايمانا بان التغيير يبدأ منا، من كلمة صادقة، ومن تصرف مسؤول، ومن يد تشد يد طفل لعبور الطريق، ليس فقط من خطر السيارات، بل من خطر فقدان القيم.


تعليقات
0