جريدة البديل السياسي- بقلم الأستاذ جمال الغازي
حين صار الشعر وطنا
سلسلة شخصيات ناظورية تعرفت عليها الجزء الثاني
______&&&_____&&&&&____&&&&&___’_
ليست السيرة الأدبية مجرد تواريخ وأسماء كتب، بل هي قبل ذلك مسار روح شق طريقه وسط القسوة، وحوّل الألم إلى لغة، والغربة إلى قصيدة. وهذه الصفحات تحكي حكاية شاعر رافقته الكلمات في المنافي، فكانت له سندا وملاذا، حتى غدت الشعرية الأمازيغية الريفية جزءا من اسمه ومسيرته.
وُلد الحسن المساوي سنة 1954 بثانوث نرمان، بني سيدال الجبل. ومنذ سنواته الأولى كان قدره أن يعرف الهجرة بكل وجوهها القاسية. قضى أربع سنوات مهاجرا غير شرعي متنقلا بين إسبانيا وألمانيا وبلجيكا وهولندا، سنوات لم تكن سوى رحلة شقاء متواصل بحثا عن العمل والمستقبل والاستقرار في أوروبا. ذاق خلالها مرارة الجوع، نام في الشوارع، اقتات من النفايات، واحتمى بالغابات من برد الليل ووحشة الغربة.
ولم يكن ذكر هذه التجربة إلا شهادة للتاريخ، ليعلم الجميع أن الجيل الثاني من الجالية المغربية الريفية في سبعينيات القرن الماضي قد دفع ثمن الهجرة معاناة وآلاما.

في خضم هذا العذاب، كان الشعر رفيقه الذي لا يفارقه ليلا ولا نهارا. كان يفرح فرحا عميقا كلما أتم قصيدة، حتى باتت الكتابة جزءا من يومه، لا يمر عليه يوم دون أن يخط بيتًا أو فكرة. وكان يبعث بقصائده إلى الإذاعة الوطنية بالأمازيغية الريفية، في زمنٍ عرفت فيه الساحة الأدبية منافسة قوية بين شعراء الريف، من بينهم عبد السلام السرغيني رحمه الله، وسعيد موساوي، وأحمد الزياني رحمه الله، وعائشة بوزنيقة، ومحمد أحللوش رحمه الله، وحنكور الهواري رحمه الله. منافسةٌ كانت تزدهر بالإبداع، لكنها اليوم لم تعد كما كانت.
سنة 2001، راودته فكرة جمع قصائده في ديوان شعري بالأمازيغية الريفية، بعد تشجيع الإعلامي المتألق مصطفى بوزيان، الذي تولى تقديم ديوانه الأول المعنون بـ «ماتغيراس قا ناتو»، والذي طُبع ووزع بالعاصمة الرباط سنة 2002، في لحظةٍ غامرة بالسعادة، إذ رأى في ذلك إضافة متواضعة لإغناء المكتبة الأمازيغية الريفية.
توالت بعد ذلك الإصدارات الشعرية:
الديوان الثاني «إخياق ؤجانا» سنة 2005،
الثالث «مارمي غانيري» سنة 2009،
الرابع «أسيرم» سنة 2010،
الخامس «أسربوب» سنة 2011،
السادس «أريف ناغ» سنة 2013،
السابع «سيوار إيامازروي» سنة 2013،
والثامن «أذاسد أثيرالي» سنة 2020،
وقد تولى تقديم أغلب هذه الأعمال الدكتور #جميل حمداوي، باستثناء السابع الذي قدمه #أنديش شهيد، والثامن الذي قدمه #سيفاو الهانيس. ولا يزال ديوانان آخران في انتظار الطبع.
أما في مجال القصة القصيرة جدا، فيُعد من أوائل من كتب هذا الجنس الأدبي بالأمازيغية الريفية. صدر كتابه الأول سنة 2014 بعنوان «ثفوشت ن تيواشا»، تلاه كتاب «إغزار ياسوا ربحار» سنة 2015، وكلاهما بتقديم الدكتور جميل #حمداوي.
وفي الرواية، كتب عمله الأول «حدوا»، الذي طُبع بالحرف العربي، ثم أعيد طبعه بالحرف اللاتيني وتيفيناغ، قبل أن يُترجم إلى العربية بعنوان «بلاد ما وراء البحر» سنة 2021. كما أصدر روايته الثانية «لا إهانيك أباري» سنة 2012.
وقد نال خلال مسيرته عدة تكريمات وشهادات تقديرية من جمعيات ثقافية بفرنسا وبلجيكا وألمانيا، إضافة إلى مدن مغربية عدة، كما حصل على بطاقة كاتب من وزارة الثقافة بالرباط.
وإلى جانب الكتابة، أسهم في إثراء الأغنية الأمازيغية، فكتب كلمات لعدد من الفنانين، من بينهم جمال الغازي، مرد سلام، إسماعيل بلوش، ميمون الرحموني، محمد بوكوس، سيليا الزياني، أيمن أنزور، حكيم اليعقوبي، مصطفى يوبا، وحسن سلامة، إضافة إلى أعمال أخرى ما تزال في طريقها إلى الإصدار.
هكذا تتجلى سيرة الحسن المساوي سيرة شاعر لم تنكسر كلمته رغم قسوة المنافي، ولم يخفت صوته رغم وعورة الطريق. جعل من الشعر وطنا بديلا، ومن اللغة الأمازيغية الريفية ذاكرةً حيّة، ومن الإبداع جسرًا يعبر به الألم نحو المعنى. إنها شهادة حياة، كتبتها الغربة، وختمها الوفاء للكلمة.
اتمنى لك التوفيق والسعادة
جمال الغازي


تعليقات
0