جريدة البديل السياسي
يُعد تبديد المال العام من أخطر مظاهر الفساد التي تنخر جسد المؤسسات، لأنه لا يستهدف أرقاما مجردة في الميزانية، بقدر ما يمس بشكل مباشر بحقوق المواطنين في التنمية والخدمات الأساسية، لأن المال العام هو حصيلة الضرائب والرسوم التي يؤديها المغاربة، لضمان توازن الميزانية وتمويل المشاريع الاجتماعية والبنيات التحتية، وأي عبث به هو اعتداء على الثقة الجماعية وعلى مبدأ العدالة في توزيع الثروة.
ومن أبرز مظاهر تبديد المال العام التلاعب في الصفقات العمومية، سواء عبر التغاضي عن خروقات دفاتر التحملات، أو القبول بجودة متدنية لا ترقى إلى المعايير المتفق عليها، أو شراء تجهيزات ومستلزمات بأثمان تفوق بكثير قيمتها الحقيقية في السوق الوطنية والدولية. كما تتخذ بعض الممارسات أشكالا أكثر تعقيدا، مثل التلاعب في وثائق الاستيراد أو تضخيم الفواتير، بما يؤدي إلى استنزاف موارد مالية كان بالإمكان توجيهها إلى أولويات أكثر إلحاحا.
ولا تقف مظاهر التبديد عند حدود الصفقات الكبرى، بل تمتد إلى سندات الطلب التي تتحول في بعض الحالات إلى آلية لتوزيع الامتيازات على المقربين من مسؤولين أو منتخبين، مقابل خدمات ضعيفة الجدوى، كدورات تكوينية شكلية، أو مشاريع صغيرة لا تترك أثرا تنمويا ملموسا، كما يثير الجدل حول صفقات الصيانة المستعجلة شكوكا بشأن توظيفها كمدخل لتجاوز مساطر المنافسة والشفافية.
وقد تبدو بعض الممارسات بسيطة في ظاهرها، مثل توقيع تعويضات مبالغ فيها، أو تضخيم مصاريف المحروقات، أو سوء استعمال سيارات المصلحة، أو الإنفاق على حفلات ومصاريف غير إلزامية، غير أن تراكم هذه «الثقوب الصغيرة» يحولها إلى نزيف مالي حقيقي، ينتهي في جيوب جهات محددة دون مقابل حقيقي يخدم الصالح العام.
إن الخطير هو التطبيع مع هذه الممارسات، أو التخفيف من تبعاتها، بدعوى أنها جرت بها العادة، ما يضعف منسوب الردع ويشجع على مزيد من الاستهتار بالمال العام، بحيث عندما تغيب الصرامة في المحاسبة، تتحول المسؤولية إلى امتياز بلا مساءلة، وتصبح المناصب وسيلة لتحقيق مصالح خاصة بدل خدمة المصلحة العامة.
وفي السياق ذاته، يتم إطلاق صفقات على مقاس شركات أو مقاولات بعينها، مع تمكينها من معلومات تقنية وإدارية دقيقة تعزز فرص فوزها، في إطار تبادل المصالح بين لوبيات متحكمة، كما يتم التغاضي لاحقا عن عيوب التنفيذ أو ضعف الجودة، مقابل تسهيلات في تسلم المشاريع، وهكذا تتآكل معايير النزاهة والمنافسة الشريفة، ويُقصى الفاعلون النزهاء من الولوج العادل إلى السوق العمومية.
وبعيدا عن لغة التهويل واللطم، عندما نتحدث عن تبديد المال العام، فإننا نتحدث عن مستقبل التنمية، وعن ثقة المواطن في مؤسساته، وعن دعم قدرة الدولة على الاستجابة لانتظارات المجتمع، كما أن حماية المال العام ليست مسؤولية أجهزة الرقابة وحدها، بل مسؤولية جماعية تهم كل من يتولى تدبير الشأن العام والمواطن أيضا، حيث حسن صرف المال العام هو المدخل الأساسي للتنمية وتحسين جودة الخدمات الاجتماعية.


تعليقات
0