جريدة البديل السياسي – بقلم : محمد الحدوشي الناظور.
اليوم مدينة تختنق تحت عجلاتها، وسط فوضى مرورية خانقة لا تخطئها عين. شوارع ضيقة لم تعد قادرة على استيعاب الكم الهائل من العربات، ممرات مغلقة بالسيارات المركونة عشوائياً، إشارات مرور منعدمة أو باهتة لا تُرى، ومقاطع طرقية تُربك السائق والراجل معاً، فتحول حياة الناس اليومية إلى معركة أعصاب تبدأ مع أول خيط ضوء ولا تنتهي إلا بعد منتصف الليل.
القلب النابض للمدينة تحوّل إلى ورطة يومية. الدخول وسط الناظور صار مغامرة محفوفة بالصراخ والتوتر، حيث تتكدس السيارات في طوابير طويلة، ويقف الراجلون في مواجهة مركبات تتزاحم بلا نظام.
حوادث السير في تزايد، والفوضى عنوان عريض، والمسؤولية معلقة بين لجان لا تجتمع إلا نادراً وجماعة محلية لم تجرؤ بعد على وضع حد لهذا العبث.
لجنة السير والجولان، المفترض أن تكون العقل المدبر، تبدو وكأنها غائبة عن الميدان، والجماعة التي تدير المدينة تركت شوارعها أسيرة الارتجال والعشوائية. لا تشوير يذكر في محاور حساسة، بعض الشوارع أُغلقت باتجاه واحد بلا منطق ولا دراسة، أما مواقف السيارات فباتت أكبر عائق في وجه حركة السير بعدما تحولت الأرصفة والساحات إلى مرائب مفتوحة على الفوضى. لكن ما يحدث ليس قدراً محتوماً، ولا معضلة بلا حلول.
فالمتتبعون يرون أن المدينة في حاجة عاجلة إلى قرارات شجاعة تبدأ أولاً من افتتاح المحطة الطرقية الجديدة التي ظلّت مغلقة لسنوات، إذ إن تشغيلها سيُخفف العبء الثقيل عن قلب المدينة ويحرر وسطها من فوضى الحافلات وسيارات الأجرة الكبيرة.
الحل الثاني يمر عبر فتح شوارع جديدة وتوسيع المحاور الحالية لتوزيع حركة السير بشكل متوازن، خصوصاً في الممرات المؤدية إلى المستشفى الحسني والمحكمة والكورنيش والأسواق الكبرى.
ثم هناك ورش لا يقل أهمية يتمثل في إطلاق نقل حضري جماعي حديث ومنظم يحد من الاعتماد المفرط على السيارات الخاصة وسيارات الأجرة التي تملأ الشوارع وتضاعف الاختناق.
ولا يمكن الحديث عن السير والجولان دون التطرق إلى التشوير الأفقي والعمودي الذي صار ضرورة ملحة، من خلال إعادة رسم ممرات الراجلين بشكل واضح، وتثبيت إشارات المرور والإشارات الضوئية في النقط السوداء، لأن غيابها اليوم يضاعف من نسبة الحوادث ويجعل السائق والراجل في مواجهة عبثية.
الناظور تقف اليوم أمام تناقض صارخ فهي مدينة مرشحة لتكون قطباً اقتصادياً مهماً مع مشاريع كبرى مثل ميناء غرب المتوسط ومارتشيكا، لكنها في تفاصيلها اليومية ما زالت غارقة في فوضى مرورية تسيء إلى صورتها وتنهك سكانها وزوارها. أي تنمية يمكن أن تتحقق في ظل مدينة تفتقر إلى أبسط مقومات السير المنظم؟
وأي وجه حضاري يمكن أن نُقدمه للعالم إذا كان الزائر يعلق لساعات في شوارع مكتظة بلا إشارات ولا نظام؟ إن المطلوب اليوم ليس تنظيراً ولا خطابات، بل إجراءات عملية فورية.
على السلطات المحلية والجماعة المنتخبة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة، وأن تضع ملف السير والجولان على رأس الأولويات.
المطلوب افتتاح عاجل للمحطة الطرقية الجديدة، إطلاق دراسة شاملة لإعادة هيكلة شبكة الطرق، تحديد مواقف السيارات بشكل منظم وعقلاني، تفعيل النقل الحضري الجماعي، وإعادة التشوير في مختلف المحاور الحساسة.
الناظور التي تريد أن تنطلق نحو المستقبل وتستعد لتكون وجهة اقتصادية وسياحية، عليها أولاً أن تتحرر من هذا الكابوس اليومي.
فمدينة تختنق تحت عجلاتها لا يمكنها أن تنطلق، وأي مشروع تنموي يبقى حبراً على ورق إذا لم يجد المواطن راحته في شارع منظم وممر آمن.
التاريخ لا يرحم المدن التي ضيّعت فرصها، والناظور اليوم أمام امتحان حقيقي إما أن تتحرر من فوضى السير وتستعيد هيبتها كمدينة صاعدة نحو التنمية، أو تظل عالقة في زحامها الأبدي، مدينة جميلة في الصور، مشلولة في الواقع. **
تعليقات
0